اقتصاد الحرب: سندات الخزانة الأمريكية لتمويل الصراع مع إيران
منذ بداية العام 2026، لم تعد أسواق المال العالمية مجرد ساحات للتداول، بل تحولت إلى جبهة خلفية حاسمة في الصراع العسكري الذي اندلع في 28 شباط 2026. مع انطلاق شرارة الحرب على إيران، واجهت وزارة الخزانة الأمريكية تحدياً وجودياً حول كيف يمكن تمويل آلة حرب تستهلك نحو 1.1 مليار دولار يومياً، أي ما يعادل 12 مليار دولار كل أسبوعين، في ظل دين وطني تجاوز حاجز 39 تريليون دولار؟
اعتمدت الولايات المتحدة في استعدادها لتمويل النزاع العسكري مع إيران، الذي بدأ في شباط 2026، على استراتيجية مالية ترتكز على إصدار أدوات دين قصيرة الأجل، وتفعيل دور المؤسسات المالية الكبرى، والبنك المركزي لضمان تدفق السيولة اللازمة للعمليات العسكرية.
هنا برزت سندات الخزانة (US Treasuries) كأداة التمويل المركزية، أو ما يمكن وصفه بـ «خزينة الحرب» الحقيقية. تنقسم هذه السندات تقنياً إلى أذونات الخزانة (T-Bills) قصيرة الأجل (حتى 52 أسبوعاً) التي تُباع بخصم، وسندات الخزانة المتوسطة (T-Notes) التي تمتد من عامين إلى 10 أعوام، وتدفع فوائد كل ستة أشهر، والسندات الطويلة (T-Bonds) التي تصل مدتها إلى 30 عاماً.
ومن الجدير بالذكر، أنه نظراً لكون القانون يمنع الاحتياطي الفيدرالي من شراء هذه السندات مباشرةً من الحكومة لتجنب التضخم المفرط، يعمل «نظام الوسيط» (Middleman System) كصمام أمان استراتيجي. إذ تقوم وزارة الخزانة ببيع السندات الجديدة في «السوق الأولية» عبر مزادات يشارك فيها «المتعاملون الأولونPrimary Dealers » من كبار البنوك. ثم يتدخل الفيدرالي في «السوق الثانوية» لشراء هذه السندات من البنوك لضخ السيولة. في آذار 2026، كثف الفيدرالي مشترياته من أذونات الخزانة قصيرة الأجل، لتصل إلى 53.8 مليار دولار شهرياً، بهدف امتصاص صدمة الإنفاق العسكري، وضمان عدم جفاف السيولة في النظام المصرفي. ومن المثير للاهتمام، أن الفوائد التي يدفعها الفيدرالي على هذه السندات تعود في النهاية إلى الخزانة (Remittance of Profits)، مما يقلل العجز بشكل طفيف، لكن هذا الزخم يعتمد كلياً على ثقة المشترين الدوليين، التي بدأت تظهر عليها علامات التصدع.
من يدعم ديون الحرب ومن يتخلى عنها؟
يشهد سوق الدين الأمريكي حالياً انقساماً حاداً يعكس توازنات القوى الجديدة. فبينما يهرع الحلفاء التقليديون لتوفير غطاء مالي لواشنطن، تسارع قوى دولية أخرى للتخلص من الأصول المقومة بالدولار، إذ أظهرت بيانات آذار 2026 أن الحلفاء الرئيسيين يلعبون دور المنقذ للسيولة الأمريكية، فبرزت المملكة المتحدة كأسرع المشترين إقبالاً، حيث رفعت حيازتها بنسبة 16% (زيادة قدرها 122 مليار دولار)، مما جعل لندن الرئة المالية الكبرى لدعم المجهود الحربي. بينما حافظت اليابان على مكانتها كأكبر حامل أجنبي، حيث أضافت 115 مليار دولار لموازنة الضغوط على الين، وسط قفزة أسعار النفط، مع دخول بنوك يابانية كبرى، مثل: MUFG وSMBC Nikko بقوة، كمتعاملين أوليين جدد. وشهدت بلجيكا طفرة بنسبة 33% في حيازاتها، مما يعكس دور أنظمة المقاصة الأوروبية (Euroclear) كقناة للسيولة المؤسسية نحو الديون الأمريكية.
في مقابل الطلب الذي تخلقه هذه الدول، تقود دول «بريكس» تحركاً عنيفاً للتخلص من «الأوراق الأمريكية» إذ واصلت الصين نهجها في التخلص من الدولار، واستطاعت خلال العام 2025 الاستغناء عن 86 مليار دولار، ومنذ بدء الحرب على إيران تخلّصت بكين من كمية كبيرة من الدولار الأمريكي تقدّر ما بين 10 إلى 15 مليار دولار، لتركّز أكثر على «الأصول الصلبة» بوصفهّا تحوّط مثالي ضد سلاح العقوبات. بينما يقدر إجمالي تخفيض الحيازات الدولارية في كتلة بريكس بحوالي 100 مليار دولار، مدفوعة بالقلق من «تسيس النقد» وتآكل القيمة الشرائية للدولار نتيجة الإنفاق العسكري غير المحدود.
فخ الفائدة وتفاقم الدين القومي
تواجه الولايات المتحدة في عام 2026 واقعاً مالياً يفوق في خطورته أزمة جائحة كورونا. في عام 2020، والتي بدأت بوضع أساس كارثة اقتصادية قادمة، فاعتمدت السياسة المالية الأمريكية في حينها وسيلة واحدة، وهي ضخ كميات كبيرة من السيولة، وهو ما راكم الدين العام بمعدلات 266 مليار شهرياً، لكنها كانت مدعومةً بأسعار فائدة قريبة من الصفر. أما اليوم، فإن صراع 2026 يصل بمراكمة الديون إلى عتبة 366 مليار دولار شهرياً، في بيئة اقتصادية تتجاوز فيها أسعار الفائدة 4%. أي إن الميزانية الأمريكية وقعت في «فخ الفائدة (Interest Trap)» حيث تضطر وزارة الخزانة الآن لإصدار سندات جديدة ليس لتمويل العمليات العسكرية فحسب، بل لسداد فوائد الديون السابقة. ومع وصول الدين القومي إلى 39.2 تريليون دولار، أصبحت كلفة الفائدة السنوية تتجاوز تريليون دولار، وهو رقم يفوق ميزانية الدفاع بأكملها.
إن هذا المسار المنحدر يضع الدولة في حالة «دوامة الدين (Debt Spiral)»، حيث يتوقع أن يخترق الدين حاجز 41.2 تريليون دولار خلال ستة أشهر، مما يعني أن الولايات المتحدة تقترض حرفياً لدفع ثمن اقتراضها السابق. ونظراً لزيادة مخاطر الدين، تطلب البنوك الخاصة (الموزعين الأساسيين) أسعار فائدة أعلى للاحتفاظ بالسندات الحكومية. ينعكس هذا مباشرة على المواطن الأمريكي ببقاء فوائد البطاقات الائتمانية والرهن العقاري مرتفعة، حيث يُتوقع أن تصل فوائد الرهن العقاري إلى 8/9%، مما يؤدي إلى تجميد سوق الإسكان.
مصير الدولار و«الهيمنة المالية»
ارتفع مؤشر الدولار (DXY) فوق مستوى 100، مدعوماً بتأثير الملاذ الآمن مع اندلاع الحرب، وزيادة الطلب على الدولار لتغطية فواتير الطاقة المرتفعة (تأثير البترودولار). ومع ذلك، تخفي هذه القوة الظاهرية خطراً داهماً، هو الهيمنة المالية، حيث يصبح الدين الحكومي ضخماً لدرجة تقيد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على التحكم بالتضخم بشكل مستقل.
ففي حال إعادة تسعير كامل الدين البالغ 39 تريليون دولار، فإن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة، كانت ستضيف حوالي 390 مليار دولار سنوياً إلى عجز الموازنة. لكن الواقع أكثر تعقيداً: لأن جزءاً كبيراً من الدين طويل الأجل بفائدة ثابتة، فإن هذه الزيادة تظهر تدريجياً مع استحقاق كل إصدار. ومع ذلك، فإن الاتجاه تصاعدي وخطير.
عندما تصل كلفة خدمة الدين إلى مستوى يهدد بإفلاس الحكومة نظرياً، قد يُضطر البنك المركزي إلى إبقاء الفائدة منخفضة بشكل مصطنع، وطباعة النقود لشراء السندات (تمويل الدين)، وهي وصفة مثالية لانخفاض القيمة الشرائية للعملة وارتفاع التضخم.
توقعات زمنية: سيناريوهات مرجحة وليست حتمية
ما يلي ليس جدول زمني حتمي، بل سيناريوهات ترجح وفق المنطق الاقتصادي، وقد تتسارع أو تتباطأ بحسب شدة الحرب، وسياسات الفيدرالي، وسلوك المستثمرين الدوليين.
في غضون شهرين إلى أربعة أشهر (عتبة التوتر المالي)
من المرجح أن نرى تسارعاً في إعادة توزيع الاحتياطيات الدولية، حيث تواصل دول «بريكس» تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بشكل تدريجي، لكن ليس بالضرورة بشكل عنيف أو مفاجئ. في الوقت نفسه، قد تبدأ بوادر الركود التضخمي (Stagflation) بالظهور على شكل تباطؤ في التصنيع بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وضغوط تضخمية مستمرة، وارتفاع تدريجي في البطالة. هذه ليست «عتبة» ثابتة، بل منطقة ضبابية يزداد فيها التوتر بين النمو والتضخم.
في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر (نقطة الإجهاد المالي المحتملة)
إذا استمرت الحرب بنفس الوتيرة، قد يصل الاحتياطي الفيدرالي إلى مفترق طرق حقيقي. السيناريو المطروح بقوة هو أن يضطر الفيدرالي إلى التفكير بجدية في التحكم بمنحنى العائد (Yield Curve Control)، أي شراء كميات كبيرة (وليس بالضرورة غير محدودة) من السندات طويلة الأجل، لمنع انفجار الفوائد. هذا الإجراء، لو تم، سيمثل «خياراً نووياً» إجرائياً، لكنه لن ينهي استقلالية الفيدرالي بين ليلة وضحاها؛ بل سيبدأ تآكلاً تدريجياً لاستقلاليته، حيث يصبح ممولاً للحكومة بشكل علني.
بعد ستة إلى تسعة أشهر (منطقة الخطر المتزايد)
لا توجد «نقطة لا عودة» محددة، لكن هناك منطقة خطر متزايد عندما تقترب نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 110-120%. في هذه المرحلة، تصبح السياسة النقدية مقيدة بشدة، بمعنى أن أي رفع كبير لأسعار الفائدة لمحاربة التضخم سيضيف مئات المليارات إلى كلفة خدمة الدين، مما يخلق توازناً مؤلماً بين التضخم والإفلاس النظري.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271
بطرس شنيص