صندوق سيادي أم صندوق أسود؟ أموال السوريين بلا رقابة
منذ صدور المرسوم رقم 113 لعام 2025 القاضي بتأسيس الصندوق السيادي السوري، يقف السوريون بحالة من الترقب أمام واحد من أكثر المشاريع الاقتصادية حساسية وخطورة في تاريخ البلاد. فبينما تم الترويج للفكرة رسمياً بوصفها رؤية تنموية تسعى إلى تنشيط الاقتصاد الوطني واستثمار الأصول الحكومية وتحويلها إلى أدوات إنتاج، فإن ما يطفو على السطح بعد مرور نحو ثمانية أشهر على تأسيس الصندوق لا يوحي بوجود خطط واضحة أو شفافة تضع مصلحة السوريين في المقام الأول. بل يبدو المشهد محاطاً بسياج من الغموض المتعمد، وكأنه جدار عازل بين السلطة والمجتمع، يمنع أي فهم حقيقي لما يجري خلف الأبواب المغلقة. ويثير هذا الغياب شبه الكامل للمعلومات حول إدارة الصندوق وأصوله وطبيعة استثماراته جملة من التساؤلات الجوهرية: من يملك القرار داخل الصندوق؟ ومن يراقب عمله؟ ولمصلحة من تدار هذه الأصول؟ ففي ظل غياب البرلمان أو أية هيئات رقابة مستقلة، يصبح الخطر مضاعفاً، خطر ضياع الأصول العامة باسم ما يزعم أنه إصلاح اقتصادي، وتحويل ما تبقى من ممتلكات الدولة إلى ملعب مغلق للنخب الاقتصادية صاحبة النفوذ.
في نظر المواطن السوري الذي يعيش منذ سنوات في ظل وضع اقتصادي خانق، وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، كان الأمل لدى البعض أن يشكل الإعلان عن الصندوق السيادي بداية مرحلة جديدة من التنمية الحقيقية. مرحلة تستثمر ما تبقى من موارد البلاد لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية المدمرة، وتوفير بعض العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية. لكن المؤشرات الحالية لا توحي إلا بوجه آخر من وجوه تمركز الثروة والقرار في يد قلة نافذة.
فعلى عكس الصناديق السيادية التي نشأت في دول تمتلك فوائض مالية ضخمة، يقوم الصندوق السوري على إعادة تدوير الأصول الحكومية وطرحها للاستثمار أو للخصخصة الجزئية، ما يعني عملياً نقل ملكية القطاع العام إلى مستثمرين قد يكونون من نفس النخبة التي أفقرت السوريين طوال عقود. ومع غياب أي شفافية في الإفصاح عن هوية القائمين على الصندوق أو معايير الشراكة والاستثمار، يتحول المشروع من أداة تعافٍ اقتصادي إلى أداة جديدة في مشروع إفقار البلاد، حيث تدار ثروة السوريين دون رقابة مباشرة أو غير مباشرة منهم.
الصندوق السيادي: التعريف الرسمي والواقع الغامض
من الناحية النظرية، ووفقاً للمرسوم 113، يعرّف الصندوق السيادي السوري على أنه مؤسسة اقتصادية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. ويهدف بحسب النص إلى تنفيذ مشاريع تنموية واستثمار الموارد المادية والبشرية وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى مشاريع إنتاجية. تعريف يبدو في ظاهره منسجماً مع مفاهيم التنمية، لكنه في التطبيق العملي يضعنا أمام مأزقين أساسيين: الانعدام المطلق للشفافية، وتغول السلطة التنفيذية على قرارات المال العام.
فمنذ لحظة التأسيس، لم يعرف السوريون شيئاً عن رئيس مجلس إدارة الصندوق أو مديره العام، كما لم تصدر بيانات مالية أو تقارير تكشف عن المنهج التنفيذي لاستراتيجياته. لا توجد مواقع رسمية محدثة، ولا وثائق رسمية توضح معايير اختيار الأصول التي ستطرح للاستثمار. كأنما المقصود أن يبقى الصندوق خارج مساحة الضوء العام، كياناً غامضاً معلقاً في الهواء.
وأخطر ما في هذا الغموض أنه يشرعن لفكرة خصخصة الثروة العامة دون رقابة. فحين يعلن وزير المالية، محمد يسر برنية، خلال جلسة نظمتها «جمعية رجال وسيدات الأعمال السورية» في نهاية العام الماضي أن قيمة أصول الصندوق تبلغ نحو 50 مليار دولار تتألف بشكل رئيسي من «مؤسسات مملوكة للدولة وباتت معروضة للاستثمار»، لا بد لنا أن نسأل: كيف تحولت هذه الأصول إلى ملكية صندوق غير خاضع لأي رقابة؟ وإذا كانت الغاية هي الاستثمار، فمن الذي يحدد العقود والشركاء والأسعار؟ ليست مسألة عابرة أن ينشأ صندوق بقيمة تزيد عن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأضعاف دون ضمان إشراف شعبي حقيقي. فالتجارب العالمية الناجحة في هذا السياق قامت على مبادئ المساءلة والشفافية الكاملة حيث يتم الإعلان عن كل صفقة، وكل شراكة، وكل عائد، لأنها ثروة وطنية يحق للمواطنين أن يعرفوا من هي الشركات التي تقدمت للاستثمار، وما هي العروض التي قدمتها، وما هي الأسباب التي دفعت الصندوق للتعاون مع هذه الشركة أو تلك واستبعاد أخرى. أما في الحالة السورية، فإن الصندوق يبدو حتى الآن مؤسسة مغلقة تدار بقرارات «من فوق لفوق» في خطوة تجعل من الصندوق ذراعاً تنفيذياً ضمن بنية السلطة، لا مؤسسة وطنية مستقلة هدفها المصلحة العامة. وهي صيغة خطيرة للغاية من حيث المضمون، لأنها تضع المال العام في نطاق صلاحيات مطلقة، خارج كل أشكال المحاسبة.
في ظل هذا الواقع، تطرح الهواجس الشعبية: هل نحن أمام مشروع اقتصادي وطني حقاً، أم أمام آلية جديدة لإعادة توزيع ما تبقى من القطاع العام بين شبكات النفوذ القديمة والجديدة؟ ولماذا الصمت الرسمي تجاه أبسط متطلبات الشفافية، كهوية الكادر الإداري أو مخرجات الاجتماعات في حال وجودها أصلاً؟
الاقتصاد السوري بين الاستثمار وبيع الأصول
يسوق البعض لفكرة أن الصندوق السيادي السوري يمثل «بوابة الاستثمار الأمثل» في مرحلة التعافي الاقتصادي. لكن قراءة واقعية للأوضاع الاقتصادية في البلاد تكشف أن هذا الادعاء أقرب إلى التجميل اللفظي لعملية منظمة من تصفية مؤسسات الدولة. فالصندوق لا يستثمر فوائض مالية ناتجة عن انتعاش الإنتاج الوطني، بل يعتمد أساساً على «تحويل» أصول مملوكة للقطاع العام (منشآت وعقارات وشركات وغيرها) إلى أصول مطروحة للاستثمار. لكن في الواقع، ما يُسمى «استثماراً» هنا لا يختلف كثيراً عن الخصخصة، لكنه يأخذ شكلاً ملتوياً كي يبدو أقل مباشرة.
تثبت التجارب السابقة في العالم أن هذه السياسات لا تؤدي إلى النمو، بل إلى احتكار الثروة في دوائر ضيقة. فعندما تباع أصول الدولة تحت عنوان الشراكة، يتقلص دور الدولة في حماية المجتمع وتختفي أدوات العدالة الاجتماعية، والأخطر هو أن هذه العمليات تتم دون إعلان العقود أو الإفصاح عن شروطها.
وبينما تركز الدعاية الرسمية على الحديث عن جذب رؤوس الأموال، تهمل حقيقة أن الاقتصاد السوري يعاني من بنية شبه منهارة، حيث هناك ضعف كبير جداً في البنى التحتية وتراجع في القوة الشرائية، ومعدلات هجرة لا تزال عالية. وأي استثمار حقيقي يحتاج في الواقع إلى بيئة قانونية مستقرة وإلى مؤسسات رقابة شعبية مستقلة. أما حين يغيب كل ذلك، فإن الصندوق السيادي يتحول إلى مجرد واجهة لتسويق قرارات تتخذها السلطة بعيداً عن أعين الشعب.
يكمن جانب آخر من الإشكال في عمليات الاستحواذ على أصول رجال الأعمال الفاسدين من زمن سلطة الأسد. في الظاهر يبدو هذا إجراء تصحيحياً يعيد الحق العام، لكن في التطبيق الفعلي، يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة داخل نفس الدائرة المغلقة، حيث تنتقل الأصول من يد فاسد إلى يد فاسد آخر، بينما يبقى المواطن متفرجاً على ما كان يفترض أنه ملك الجميع.

المخاطر الناجمة عن هذا التوجه كارثية ولا يمكن حصرها. أولاً، إن بيع الأصول الحكومية وطرحها للاستثمار في ظروف اقتصادية كالتي نعيشها يعني بيعها بأبخس الأثمان، حيث سيستغل المستثمرون، سواء كانوا أجانب أو من حيتان المال المحليين، حاجة الدولة للسيولة للاستحواذ على هذه الأصول بـ«تراب المصاري». ثانياً، إن المستثمر الخاص، بطبيعته، لا يسعى لتحقيق تنمية اجتماعية، بل يلهث وراء الربح الأقصى والسريع، وهذا سيعني بالضرورة تسريح آلاف العمال السوريين بذريعة «إعادة الهيكلة»، ورفع أسعار الخدمات والسلع التي كانت تدعمها أو توفرها هذه المؤسسات، مما سيؤدي إلى زيادة إفقار ملايين السوريين الإضافيين. ثالثاً والأخطر، هو تحكم رأس المال الأجنبي والنخب بمفاصل الاقتصاد السوري، مما يرهن القرار السياسي والاقتصادي للدولة السورية لإرادات خارجية.
تصفية مؤسسات الدولة بهذا الشكل المتسرع والمنفلت من أي ضوابط اجتماعية، هو عملية تحويل سورية إلى مجرد شركة استثمارية يملكها مساهمون مجهولون، ويدفع المواطن السوري فاتورة إفلاسها وتصفيتها.
الشفافية الغائبة ومصير المصلحة العامة
في غياب الشفافية، تتحول الكيانات الاقتصادية الكبرى إلى أدوات سلطة أكثر منها أدوات تنمية. وهذه هي المعضلة الجوهرية في بنية الصندوق السيادي السوري: لا أحد يعرف كيف تدار القرارات، ومن يحاسب من، وما هي معايير الإنفاق أو التقييم. في الحالات الطبيعية، يعتبر أي صندوق سيادي مؤسسة خاضعة لمعايير صارمة من الإفصاح، حيث يجب أن تكون هنالك تقارير مالية فصلية، ومجالس إدارة معلنة، وتدقيق مالي من جهات مستقلة. أما في الحالة السورية، فالصندوق خارج هذا الإطار تماماً، ولا يخضع للرقابة البرلمانية، ولا للتدقيق القضائي، ولا حتى لمساءلة إعلامية حقيقية.
والنتيجة أن المواطن يجد نفسه أمام مؤسسة تتحكم في مليارات الدولارات من الأصول العامة دون مساءلة. وهذه مسألة سياسية واجتماعية شديدة الخطورة. والأخطر أن هذا الغموض ليس عفوياً. إنه جزء من نهج إداري رسخ لفكرة أن القرار الاقتصادي شأن «سيادي» محجوب عن الشعب. وبذلك، يحاصر المجتمع بين فقرٍ مادي وفقرٍ في المعلومة، فلا قدرة على التأثير ولا حتى على الفهم. وبالتالي، فإن غياب الشفافية لا يؤدي إلى فقدان الثقة فحسب، بل يفتح الأبواب أمام الفساد الممنهج، حيث يمكن تمرير الصفقات الفاسدة تحت شعار المصلحة العامة دون أن يسأل أحد عن جدواها الحقيقية.
المطلوب اليوم إخضاع فكرة الصندوق السيادي من أساسها للمساءلة الفعلية. فدلائل النجاح تقاس بقدرة المواطن على الاطلاع والمراقبة والمطالبة بحقوقه. كما ينبغي تفكيك الأسطورة التي يتداولها البعض والتي تروج إلى أن السرية تحمي المشروع من الفشل. على العكس تماماً، الانفتاح على الناس وحده هو الضمانة ضد الفشل. وبدلاً من خطابات الوعود الاقتصادية الفضفاضة التي ملّ منها السوريون، لا بد من مساءلة علنية دورية: كم دخل إلى الصندوق؟ وكم خرج؟ وما نسب الربح والخسارة؟ وأين تذهب العائدات؟
إذا لم يطرح هذا النقاش علناً، فإن الصندوق السيادي لن يكون سوى عنوان عريض لمرحلة جديدة من الخصخصة الصامتة، مرحلة يجري فيها تفكيك ما تبقى من الدولة السورية بقرارات اقتصادية تتخذ خلف ستار السرية، وفي غياب المشاركة الشعبية.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269