سورية تحت القصف الاقتصادي الأمريكي«الإسرائيلي»: هل «نخرج سالمين»؟

سورية تحت القصف الاقتصادي الأمريكي«الإسرائيلي»: هل «نخرج سالمين»؟

منذ أن اندلعت شرارة الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» ضد إيران بداية الشهر الحالي، ظهرت لدى بعض الأوساط السورية حالة من التشفي والشماتة السياسية. من الناحية الإنسانية والنفسية، يمكن فهم أسباب هذه المشاعر وتفهم جذورها العميقة، لكن يجب علينا أن نفصل تماماً بين العاطفة المفهومة وبين المصلحة الوطنية العليا والواقع الجيوسياسي والاقتصادي المعقد. حيث أن الدول لا تبنى ولا تتعافى بالركون إلى الانفعالات اللحظية أو التشفي بانهيار الآخرين، خاصة عندما تكون الجغرافيا السياسية والاقتصادية متشابكة إلى حد لا يمكن فكه إطلاقاً. لهذا، فإن الواجب الوطني اليوم يحتم علينا وضع مصلحة الشعب السوري أولاً، بعيداً عن أي حسابات ضيقة. وهذا بدوره يتطلب قراءة المشهد بعقل بارد، وإدراك أن النيران التي تشتعل في الإقليم لن تتوقف تأثيراتها عند حدود الجوار، بل إن ألسنة لهبها الاقتصادية تهدد جدياً بحرق أي أمل في التعافي السوري، وهو ما يضعنا أمام تحديات وجودية لا تحتمل ترف المراهقات السياسية.

ثمة وهم خطير تروج له بعض النخب ضيقة الأفق في سورية اليوم، وهو أن البلاد في مأمن من ارتدادات الصراع الإقليمي المشتعل. وتحاول هذه النخب الاستفادة من حالة الفوضى الإقليمية لتعزيز مكاسبها الاقتصادية والسياسية، موهمة الشارع السوري بأن سورية ستخرج سالمة من الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران، بل وستخرج مستفيدة من الإضعاف المفترض الذي ستتعرض له طهران. ولا يعدو هذا الخطاب كونه تضليلاً متعمداً وهروباً من مواجهة الاستحقاقات الحقيقية التي تفرضها المرحلة اليوم.
الاقتصاد السوري، الذي من المفترض نظرياً أنه بدأ يلتقط أنفاسه الأولى في عام 2026 محاولاً التعافي من دمار هائل، هو اقتصاد هش للغاية ومكشوف بالكامل على الصدمات الخارجية. والارتباط الوثيق لأسواق الطاقة العالمية، وسلاسل التوريد، ومناخ الاستثمار الإقليمي ببعضها البعض، يجعل من المستحيل على سورية أن تغلق أبوابها وتنجو من العاصفة. حيث تمس هذه الحرب الإقليمية بشكل مباشر وتفصيلي الحياة اليومية لكل مواطن سوري، من تكلفة رغيف الخبز إلى توفر الكهرباء والدواء، متجاوزة بذلك كل الخلافات الأيديولوجية والانتماءات السياسية، لتضع الجميع - في المحافظات السورية كلها - أمام واقع اقتصادي قاسٍ يتطلب حلولاً وطنية جذرية لا شعارات زائفة.


الأثر الاقتصادي المباشر: الطاقة والتضخم وسلاسل التوريد


لفهم حجم الكارثة التي يمكن أن تحل بالاقتصاد السوري جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يجب أن ننظر بتمعن إلى الأرقام والمعطيات الواقعية التي تحكم اقتصادنا في عام 2026. إذ يقف الاقتصاد السوري اليوم على أرضية شديدة الهشاشة، وحتى لو سلمنا جدلاً بصحة التقارير «المتفائلة» التي أصدرها صندوق النقد الدولي والبنك المركزي السوري حول «بدء التعافي» البطيء، إلا أن هذا التعافي المزعوم مرتبط شرطياً بالاستقرار الإقليمي.
أولى وأخطر الضربات التي يتلقاها الاقتصاد السوري جراء هذه الحرب هي صدمة الطاقة. فسورية اليوم ليست بلداً مصدراً للنفط. وفي أفضل الحالات والسيناريوهات التي يسوقها البعض، فإن الإنتاج المحلي من النفط يلامس عتبة 40 إلى 80 ألف برميل يومياً، في حين أن الاحتياج الفعلي لتشغيل عجلة الاقتصاد، وتأمين الكهرباء، وتدفئة المنازل، وتشغيل المصانع يتجاوز هذه الأرقام بكثير ما يعني أن سورية دولة مستوردة صافية لمصادر الطاقة.

أي حرب تندلع في الإقليم وتستهدف البنى التحتية لدوله، وتعرقل الملاحة ستؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية. وعندما يرتفع سعر برميل النفط عالمياً كما يحصل الآن، فإن فاتورة الاستيراد السورية سترتفع بشكل كبير أيضاً. ومع الأخذ بالاعتبار أن سياسات الاستيراد المنفلت التي اتخذتها السلطة الحالية قد استنزفت إلى حد كبير القطع الأجنبي الموجود في البلاد، فإن قدرة الدولة على تحمل ارتفاع تكلفة الاستيراد ستكون محدودة إن لم نقل إنها شبه معدومة، ما يعني تحميل المواطن السوري التكلفة كاملة لهذا الارتفاع.

إن ارتفاع أسعار حوامل لا يعني فقط زيادة تكلفة تعبئة وقود السيارات كما يتخيل البعض، بل هو شريان الحياة لكل قطاعات الاقتصاد. من تكلفة الإنتاج الزراعي، إلى تشغيل مضخات المياه للري والشرب، إلى نقل المحاصيل من الأرياف إلى المدن، إلى تشغيل خطوط إنتاج الخبز والمواد الغذائية، جميعها مرتبطة بشكل عضوي بسعر الوقود. وسيجد المواطن السوري أياً كانت منطقته أن القوة الشرائية لدخله تتبخر أمام عينيه. وستشهد الأسعار قفزات مضاعفة، وسيعود شبح الجوع ليخيم على ملايين العائلات التي كانت تأمل في أن عام 2026 سيحمل لها بداية الاستقرار المعيشي.

قدرت المؤسسات الدولية احتياجات سورية لإعادة الإعمار بمئات مليارات الدولارات، وهناك آمال معقودة من جانب السلطة الحالية على استقطاب استثمارات أجنبية في السنوات القادمة. لكن رأس المال بطبيعته جبان. ولا يمكن لأي مستثمر محلي أو أجنبي أن يضخ أمواله في بناء مصانع أو بنى تحتية في بلد يقع في قلب منطقة تحترق وتدور فيها حرب إقليمية طاحنة.
لهذا كله، فإن فرح البعض بهزيمة مفترضة لخصم سياسي لن يطعم جائعاً ولن يبني مدرسة ولن يشغل مستشفى. يجب أن يدرك السوريون أن جزءاً من فاتورة هذه الحرب ستدفع من جيوبهم ومن مستقبل أبنائهم، وأن الاقتصاد السوري لا يملك رفاهية تلقي صدمة إقليمية بهذا الحجم، ما يضع الجميع أمام استحقاقات كبرى.

---2_result


وهم «الملاذ الآمن» وتغول نخب الفساد الكبير


في كل أزمة إقليمية أو محلية، تبرز إلى السطح فئة من المنتفعين الذين يقتاتون على الأزمات ويعتاشون على دماء الشعوب وقوتها. في سورية، تشكلت عبر سنوات الصراع نخب اقتصادية اعتاشت على الفساد، لا يهمها سوى مراكمة الثروات واحتكار الأسواق. هذه النخب هي ذاتها التي تروج اليوم لوهم الملاذ الآمن، محاولة إقناع السوريين بأن البلاد قادرة على النأي بنفسها عن تداعيات الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران. والغاية من هذا التضليل هي تخدير الشعب تمهيداً لعملية نهب جديدة وممنهجة.
بكلام آخر، بمجرد أن تتعطل سلاسل التوريد الإقليمية وترتفع تكاليف الشحن والتأمين بسبب العمليات العسكرية، ستسارع هذه النخب الفاسدة التي تسيطر فعلياً على عمليات الاستيراد إلى احتكار السلع الأساسية والضرورية. وسوف تستخدم ذريعة الحرب الإقليمية لرفع الأسعار بأضعاف التكلفة الحقيقية، محققة هوامش ربح خيالية من خلال خلق ندرة مصطنعة في الأسواق لابتزاز المواطن السوري. وبينما ينشغل البعض بالتحليلات السياسية والتشفي، تكون هذه النخب قد أفرغت جيوب السوريين وسرقت مدخراتهم القليلة المتبقية.

كانت بعض التوقعات الاقتصادية لعام 2025 و2026 تشير إلى أن العودة التدريجية المفترضة للاجئين ستساهم في إنعاش السوق المحلية ودعم الكتلة النقدية. لكن حرباً إقليمية واسعة النطاق ستبعث برسالة معاكسة تماماً. وبدلاً من أن نشهد عودة للاجئين، قد نشهد موجات نزوح جديدة هرباً من التداعيات الاقتصادية القاسية. فوق ذلك وربما هو الأهم، فإن السوريين المغتربين (ولا سيما في دول الخليج وأوروبا) الذين يشكلون شريان الحياة لعائلاتهم في الداخل عبر الحوالات المالية، سيتأثرون بدورهم بالركود الاقتصادي العالمي الذي ستسببه أزمة الطاقة، مما يعني تراجع حجم الحوالات التي يعتمد عليها ملايين السوريين للبقاء على قيد الحياة.


المؤتمر الوطني العام:الآن أكثر من أي وقت مضى


أمام هذه التحديات الوجودية، والاقتصاد المهدد بالانهيار جراء العواصف الإقليمية، وتغول النخب الفاسدة التي تنتظر الانقضاض على ما تبقى من مقدرات، تقف سورية على مفترق طرق تاريخي. حيث الاستمرار في حالة التشظي والانقسام، أو المراهنة على التغيرات الإقليمية والتدخلات الخارجية لتصفية الحسابات، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التهديدات لسورية ووجودها. والخيار الوحيد، العقلاني والوطني، الذي يمكن أن يحصن الداخل السوري وينقذ البلاد من هذه الهاوية هو التوجه الفوري والصادق نحو عقد المؤتمر الوطني العام والشامل وكامل الصلاحيات.

لا نتحدث هنا عن مؤتمرات شكلية لتقاسم الحصص وتوزيع المناصب بين النخب السياسية وأمراء الحرب الجدد، بل عن مؤتمر تأسيسي حقيقي يمثل جميع الأطياف السياسية والاجتماعية للشعب السوري. يجب أن يمتلك هذا المؤتمر صلاحيات كاملة لرسم مستقبل البلاد. وفي ظل أزمة إقليمية كبرى كالحرب على إيران، يجب أن يبدأ أصحاب القرار السياسي في سورية فوراً بخطة طوارئ اقتصادية معلنة، تحمي السوريين وتضمن إغلاق الباب أمام النخب الفاسدة التي تستثمر في الأزمات.
الذهاب إلى عقد مؤتمر وطني عام شامل وكامل الصلاحيات في ظل هذه الظروف الإقليمية المتفجرة، يتجاوز كونه مجرد آلية لفض النزاعات السياسية أو توزيع الحصص بين الفرقاء، بل هو في جوهره عملية إنقاذ لوجود الدولة السورية. ففي الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة و«إسرائيل» إعادة رسم خرائط النفوذ بالحديد والنار، تجد سورية نفسها في مهب الريح إذا بقيت في وضعها الهش الحالي. وهذا المؤتمر هو الخطوة الأولى لبقاء سورية كدولة موحدة جغرافياً وسياسياً يستطيع أبناؤها الجلوس حول طاولة واحدة، لا لإدارة الأزمة، بل لإنهاء مسبباتها. والذهاب نحو هذا الخيار الوطني هو الخط الفاصل بين استعادة سورية لذاتها وبين الإبقاء عليها مساحة هشة ستكون الأكثر تضرراً من تبعات الحرب الإقليمية ومطامع النخب الفاسدة في الداخل.

568425149-scaled-1280x720-c-center_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268