هل حقاً روسيا «محطة وقود تحمل قنبلة ذرية»
أُجرى نائب رئيس مجلس الدوما الروسي- ألكسندر باباكوف- لقاءً مع المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاري جونسون. ويبدو أن النائب الروسي اضطر إلى أن يشرح لذلك الضابط الاستخباراتي الأمريكي السابق، الذي أصبح محللاً عسكرياً–سياسياً، أن روسيا لم تعد منذ زمن «بلد محطة وقود»، كما كان يُطلق عليها في عهد الرئيس أوباما.
مكسيم ستوليتوف
كان صاحب هذا الوصف السيناتور جون ماكين، المعروف بعدائه لروسيا. ففي عام 2014 قال حرفياً: «روسيا محطة وقود تتظاهر بأنها دولة». ومن بعده كرر هذا التعبير المهين كثيرون من المسؤولين الغربيين. ومن بينهم كبير دبلوماسيِّ الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي وصف روسيا في مقال عن «أوروبا كحديقة مزدهرة والعالم الآخر كأدغال» بأنها «محطة وقود تحمل قنبلة ذرية».
قال باباكوف: «لقد تغيّرت روسيا جذرياً خلال 30 عاماً. حتى في جانب واحد أساسي، وهو توريد المنتجات الخام. كثيرون ينظرون إلى روسيا باعتبارها دولة تصدّر النفط والغاز ومواد خام أخرى إلى الأسواق العالمية. نعم، نفعل ذلك. نعم، نورد بكميات كبيرة إلى حد ما». ووفقاً له، فإن إيرادات الميزانية الروسية من القطاعات التصديرية لا تتجاوز اليوم 18%، أي أن 82% من إيرادات الميزانية تُنشأ خارج القطاعات الخامية: أي الزراعة، والصناعة، والنقل، والقطاع الحقيقي من الاقتصاد. وأضاف: «هذا النوع من الأرقام معبّر للغاية، وسيكون مفهوماً لكل من يحاول اليوم تصوير روسيا كدولة ضعيفة وفقيرة وغير قادرة على التنمية الذاتية. نحن اليوم لا نناقش حتى ذلك. نحن نناقش كيف وبأي طريق نُسرّع هذه المشاريع، أو نزيد من فعاليتها».
لا يزال كثير من المسؤولين الأوروبيين ينشرون مزاعم زائفة بأن روسيا تفكك الأجهزة المنزلية المستوردة، مثل: الغسالات والمكانس الكهربائية، لاستخراج «الرقائق» اللازمة لإنتاج الصواريخ، وأنه يجب حظر بيع مثل هذه السلع «ذات الاستخدام المزدوج» إلى روسيا. فرض الاتحاد الأوروبي حتى الآن 19 حزمة عقوبات، لأنه يعتقد أن الاقتصاد الروسي سينهار من دون الإمدادات الأوروبية، وأن موسكو ستفقد إيراداتها من العملة الصعبة من دون التصدير إلى أوروبا، وستبقى من دون أموال. وسينهض الشعب ويتمرد ويغيّر السلطة إلى سلطة ترضي الغرب.
في نهاية كانون الأول، نشرت بعض وسائل الإعلام الروسية خبراً مفاده: أن صادرات المنتجات الروسية عالية التقنية ارتفعت بنسبة 23%. قالت المديرة العامة للمركز الروسي للتصدير «المجموعة التابعة لفيب.آر إف» فيرونيكا نيكشينا: «كل واحد من عشرة روبلات في اقتصاد بلادنا يُنشأ بفضل الصادرات غير الخام وغير الطاقية. ورغم كل الصعوبات، بما في ذلك هذا العام، ارتفعت صادرات المنتجات عالية التقنية بنسبة 23% خلال الأشهر الثمانية الأولى. وتشتري بلدان الجوار القريب، والصين، وتركيا، والهند، ودول أمريكا الجنوبية وحتى أمريكا سلعنا».
ووفقاً لبيانات المركز، تشتري أنظمة غير صديقة منتجات روسية عالية الجودة، وتُبرم الصفقات عبر دول ثالثة. وفي الوقت نفسه توسع روسيا تشكيلة صادراتها عبر منتجات ذات قيمة مضافة عالية في المجالات التي تعد فيها رائدة. ففي صادرات الأغذية تتزايد أحجام تصدير المنتجات الغذائية الجاهزة، مثل: اللحوم، ومنتجات الألبان، وكذلك الشوكولاتة والحلويات. كما زادت قطاعات، مثل: مستحضرات التجميل، والعطور، والمواد الكيميائية المنزلية من قدراتها التصديرية بشكل ملحوظ، وارتفعت شهرتها في أسواق عديدة، «وأصبحت ممثلة جيداً على رفوف متاجر التجزئة الأجنبية». ويساهم في نمو قطاع السلع الاستهلاكية شبكة من الأجنحة الدائمة للمنتجات الروسية، في إطار ترويج منهجي للسلع المحلية عالية الجودة والتقنية تحت العلامة الجامعة «صُنع في روسيا».
رغم العقوبات، لم تحافظ الصادرات الروسية على أحجامها فحسب، بل نفذت تحولاً استراتيجياً. فبينما يحاول جزء من العالم تقييد التجارة مع روسيا، يزيد جزء آخر مشترياته، وتواصل دول غير صديقة شراء سلع حيوية لها. كما نرى، لم توقف العقوبات التدفقات المالية، بل أعادت توجيهها. فبماذا تكسب روسيا اليوم فعلياً؟
لم تكتفِ البلاد بإعادة توجيه تدفقات السلع، بل فعلت ذلك بهامش أمان كبير. ووفقاً لرئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين، فإن 86% من الصادرات تذهب إلى دول صديقة. وقال: إن هذا ليس مجرد رقم، بل تجاوز واثق للسقف الذي حدده الرئيس فلاديمير بوتين. جغرافية النجاح تشمل قبل كل شيء شركاءنا الرئيسيين: الصين، وبيلاروسيا، والهند، وكازاخستان.
المهم، أن النمو لم يأتِ من مصادر الطاقة التقليدية فحسب، بل من «القطاعات غير الخامية»: الآلات الروسية «بما في ذلك المعدات الخاصة والحواسيب»، والمنتجات الكيميائية، والمعادن من الألمنيوم والنحاس إلى الحديد الزهر والصلب المدرفل.
وأكد ميشوستين، أن المهمة الأساسية الآن هي تثبيت هذا النجاح والتركيز على السلع ذات القيمة المضافة العالية. والهدف طموح: بحلول عام 2030 زيادة صادرات المنتجات الصناعية والزراعية بمقدار الثلثين، والحفاظ على حصة التوريد إلى الدول الصديقة عند مستوى لا يقل عن 80%.
ورغم القيود، تستمر التجارة بين روسيا والدول التي فرضت عليها عقوبات، وأحياناً بنشاط ملحوظ. فهذه الدول تواصل شراء الطاقة، والأسمدة، والوقود النووي، والمعادن، والأسماك والمأكولات البحرية. مفارقة واضحة: تُفرض العقوبات وتُنفذ العقود.
فعلى سبيل المثال: خلال النصف الأول من عام 2025 فقط، ربحت روسيا 800 مليون دولار من توريد اليورانيوم إلى أمريكا، وهو ما يعادل إيرادات العام السابق بأكمله. وتشير بيانات يوروستات إلى أن روسيا حافظت خلال السنوات الأربع الأخيرة على موقعها المتقدم في سوق الأسمدة الأوروبية، بحصة 23% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي مقابل 28% قبل بدء العملية العسكرية الخاصة.
ومع ذلك، يوضح بعض الخبراء، أن أساس الصادرات إلى الدول الصديقة لا يزال يتمثل في المواد الخام والسلع الأساسية: النفط، والغاز، والفحم، والمعادن، والأسمدة، والمنتجات الزراعية. لكن التغيير الجوهري هو في الجغرافيا، مع التحول نحو آسيا والجنوب العالمي، ما أدى إلى نمو منظومة كاملة حول التصدير: سلاسل الإمداد، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للموانئ، والتأمين، والصيانة.
نجحت شركات تكنولوجية عدة في الانتقال من الاستيراد إلى التطوير الذاتي والتصدير، وأصبح ذلك جزءاً من الاتجاه الاقتصادي العام، الذي يعكس تغير بنية الأعمال الروسية في الظروف الجديدة. وتُصدَّر أيضاً منتجات النسيج إلى بيلاروسيا، وكازاخستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وتركيا. ويرى خبراء، أن الحديث لم يعد عن تجارة بدائية «مواد خام مقابل عملة»، بل عن منتجات معالجة بعمق وقيمة مضافة عالية. التوجه الاستراتيجي يتحول نحو بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والجنوب العالمي، حيث «دور روسيا مختلف تماماً» ولا توجد آليات الاحتواء السابقة.
ومفارقة أخرى: خلال العملية العسكرية الخاصة زادت روسيا صادراتها من الأسلحة. فقد صدّر المجمع الصناعي العسكري الروسي أسلحة إلى 30 دولة، بعائدات بلغت 15 مليار دولار في العام الماضي. ويعزى ذلك إلى إثبات فاعلية الأسلحة الروسية في ساحة القتال. كما أعلن وزير الدفاع أندريه بيلوسوف: أن الجيش الروسي سيتلقى في عام 2026 أكثر من 310 ألف قطعة من المعدات و21 مليون وسيلة إصابة. وفي كانون الثاني من العام الجاري تسلم الجيش 10 آلاف وحدة سلاح، ومليوني وسيلة إصابة.
في الزراعة، تجاوز محصول معظم المحاصيل مستويات عام 2024، رغم الظروف المناخية غير العادية. فقد بلغ إنتاج القمح 91,4 مليون طن مقابل 82,6 مليون طن في العام السابق. وقد يصل إنتاج الذرة إلى 14 مليون طن. واحتفظت روسيا للعام الثاني على التوالي بصدارة صادرات زيت دوار الشمس عالمياً. كما سُجلت أرقام قياسية في الصويا واللفت، وربما في الكتان الزيتي.
أصبحت دول رابطة الدول المستقلة وآسيا الوجهة ذات الأولوية. ويُصدّر واحد من كل خمسة من ممثلي الشركات
الصغيرة والمتوسطة الروسية إلى الصين، خصوصاً في الصناعات الغذائية والخشبية والملابس. كما ازدادت أهمية بيلاروسيا كممر تصديري، وارتفعت التجارة مع تركيا. ويلعب إحلال الواردات دوراً ملحوظاً داخل البلاد، حيث ينشأ إنتاج محلي بدلاً من الاستيراد، ما يزيد القيمة المضافة داخل الاقتصاد وقاعدة الضرائب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265