لماذا تبخر الحديث عن «إعادة الإعمار» في سورية؟

لماذا تبخر الحديث عن «إعادة الإعمار» في سورية؟

مر أكثر من عام على اللحظة التاريخية التي اعتقد فيها السوريون أن كابوس الاستبداد والإفقار الذي جثم على صدورهم قد انزاح إلى غير رجعة، تلك السلطة التي أفقرت السوريين وكانت السبب الأساسي في التدمير الذي تعرضت له البلاد. وفي الأيام الأولى لرحيل سلطة الأسد، ضجت المنابر والشاشات بشعار «إعادة الإعمار»، الذي قدم للسوريين كجرعة أمل وترياق لآلام النزوح والتهجير والفقر المدقع. وكان الحديث عن بناء سورية الجديدة يتصدر الخطابات الرسمية للسلطة الجديدة، حيث داعبت أحلام السوريين صور المدن والمرافق والجسور وهي تنهض من تحت الأنقاض. لكن، وبعد مرور أكثر من عام، نجد أنفسنا أمام صمت مريب يلف هذا الملف الحيوي، فقد اختفى المصطلح من القاموس الحكومي، وتلاشت الخطط قبل أن تولد، وتحول الإعمار إلى شعار منسي. وعدا عن كونه مؤشراً خطيراً على انحراف البوصلة، يمثل هذا الغياب إهمالاً لاستحقاقات الشعب السوري الذي دفع أغلى الأثمان للوصول إلى هذه اللحظة.

يثير إغفال موضوع إعادة الإعمار، وعدم تقديم أي استراتيجية أو خطة وطنية واضحة له، تساؤلات مشروعة حول النوايا والتوجهات. فبدلاً من أن نرى ورشات العمل تضع تقديرات التكلفة وتجري الإحصاءات الشاملة لحجم الدمار، نرى تسارعاً محموماً في إبرام صفقات الاستثمار مع شركات خاصة، محلية وأجنبية، تستهدف الأصول السيادية للدولة.
يشي هذا التناقض الصارخ بين جمود الإعمار واللهث وراء الاستثمارات بأن نموذج استباحة الثروة الوطنية لا يزال قائماً. حيث أن غياب البرلمان المنتخب من الشعب، وعدم وجود رقابة شعبية حقيقية على الأداء الحكومي، يحول أصول الدولة السورية إلى غنائم يتم تقاسمها بعيداً عن أعين السوريين ورقابتهم. وهو ما يضعنا اليوم أمام مفترق طرق خطير: فإما المضي نحو بناء دولة تضع مصلحة مواطنيها كأولوية أولى، أو الاستسلام للمحاولات الجديدة لخصخصة الأصول الحكومية وتجاهل الضرورات الوطنية، بينما لا يزال ينتظر السوري «إعماراً» لن يأتي طالما بقيت القضايا الكبرى عالقة دون حل وطني شامل وشفاف.


لماذا توقف قطار الإعمار قبل انطلاقه؟


منذ اللحظات الأولى لسقوط السلطة السابقة، كان من المفترض أن تكون إعادة الإعمار هي المهمة المركزية للسلطة الجديدة، ليس فقط كعملية هندسية وتنموية، بل كواحدة من أدوات تحقيق السلم الأهلي. إلا أن الواقع هو أننا لم نخطُ ولا خطوة واحدة ملموسة في هذا الملف، حيث لم نسمع عن تشكيل لجنة وطنية عليا للإعمار تضم كفاءات سورية، ولم يتم الإعلان عن أي مسوحات ميدانية دقيقة للمناطق المنكوبة، بل وفوق ذلك، لم تصدر أي تقديرات مالية رسمية تشخص حجم الاحتياج الوطني في هذه العملية.
غياب الاستراتيجية الوطنية لإعادة الإعمار ليس مجرد كسل حكومي، بل هو في الجوهر تعبير عن عمق الأزمة السياسية التي لا تزال قائمة في البلاد. فإعادة الإعمار في أي بلد خرج من صراع طويل تتطلب توافقاً اجتماعياً جديداً يحدد الأولويات: هل نبدأ بالبنية التحتية؟ أم بالوحدات السكنية للمهجرين؟ أم بالمدارس والمشافي؟ هذه الأسئلة تتطلب حواراً وطنياً شفافاً بين السوريين، لكن بدلاً من ذلك، نجد أنفسنا أمام حالة من الغموض التي لا تخدم حتى الآن سوى بعض الفئات الضيقة الساعية لتحقيق أكبر قدر من المكتسبات خلال هذه المرحلة غير المستقرة.

فوق ذلك، فإن تجاهل مهمة البدء بالعمل على الإحصاءات الوطنية لتقدير التكلفة المطلوبة لإعادة الإعمار يمنع السوريين من فهم حجم التحدي، ويجعل من ملف الإعمار مادة للمزايدات السياسية أو الصفقات المشبوهة. كما أن تكلفة إعادة بناء سورية، والتي قدرتها منظمات دولية بمئات المليارات من الدولارات (لا يمكن الركون لهذه التقديرات كونها تميل إلى تضخيم الأرقام النهائية لتحصيل أكبر قدر من الهبات)، تتطلب حشداً وطنياً ودولياً لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الشفافية والخطط الوطنية الواضحة.
يتساءل الكثير من السوريين اليوم أين ذهبت الوعود؟ ولماذا يراد لنا أن نعتاد العيش وسط الركام بينما تناقش صفقات الاستثمار خلف الأبواب المغلقة؟ هذا التغييب المتعمد هو طعنة في خاصرة التطلعات الشعبية، واستهانة بآلام الملايين الذين انتظروا بزوغ فجر جديد يعيدهم إلى مدنهم وقراهم بكرامة وأمان. والاستمرار في هذا النهج يعني ببساطة أن الإعمار لم يعد أولوية، بل أصبح عبئاً تجري محاولات للهروب منه نحو صفقات سريعة الربح وقليلة الجدوى للمجتمع السوري.


استباحة الأصول: الخصخصة تسبق الإعمار


بينما يلف الجمود ملف إعادة الإعمار، يلاحظ نشاطاٌ مريب في استثمار أصول الدولة. ويضع توقيت هذه الصفقات، في ظل غياب دستور دائم وبرلمان منتخب ورقابة شعبية، علامات استفهام كبرى حول قانونيتها وجدواها الوطنية. حيث يرى السوريون اليوم عملية تصفية ممنهجة لمقدراتهم عبر منح عقود طويلة الأمد لشركات خاصة محلية وأجنبية. وهذه الصفقات، في جوهرها، هي رهن لمستقبل السوريين لعقود قادمة، وتجريد للدولة من أدواتها الاقتصادية قبل أن تبدأ فعلياً عملية تعافي الاقتصاد.
تكمن الخطورة في أن هذه الصفقات تجري في ظل غياب شديد في الرقابة. فمن الذي يقرر أن هذا العقد يخدم مصلحة الشعب السوري؟ ومن الذي يضمن أن هذه الشركات ستلتزم بمعايير النزاهة؟ في غياب البرلمان، تصبح السلطة التنفيذية هي الخصم والحكم، وهي الجهة التي تمنح الصكوك وتوقع العقود بعيداً عن أي نقاش عام. وسيؤدي هذا المسار بالضرورة إلى خلق شبكة محسوبيات تستحوذ على ما تبقى من رمق في الاقتصاد السوري، بينما يبقى المواطن العادي خارج دائرة المنفعة، بل ويتحمل تبعات هذه الصفقات من خلال تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.
ربما يجادل البعض بأن التوجه الحالي يمثل الحلول الوحيدة المتاحة في ظل الظرف القائم في سورية، لكنه يتجاهل أن هذه الصفقات لا تساهم في إعادة إعمار ما تم تدميره، بل في تضخيم حسابات فئة قليلة تقتنص الفرص في زمن الفوضى، وأن السوريين لم يسقطوا سلطة الاحتكار والنهب ليستبدلوها بالمناقصات المشبوهة والاستثمار غير المراقب شعبياً الذي يفرغ مفهوم الدولة من محتواه الاجتماعي.

 

construcao-siria-foto-afp_result
الاستقرار السياسي والاجتماعي خطوة إجبارية لإعادة البناء


لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية وصادقة في سورية دون الاعتراف بحقيقة جوهرية: الإعمار هو فعل سياسي بامتياز قبل أن يكون فعلاً عمرانياً. والاستعصاء الحالي في ملف إعادة الإعمار، والهروب نحو صفقات الاستثمار المشبوهة، هو نتيجة مباشرة لغياب الاستقرار السياسي. ولا سيما أن الحل لا يبدأ من توقيع عقود مع شركات أجنبية، بل من الداخل السوري، عبر العودة إلى النقطة الأولى التي تم إهمالها وهي المؤتمر الوطني العام والشامل وكامل الصلاحيات.
سورية اليوم بحاجة إلى هذا المؤتمر الوطني الجامع الذي يجب أن يضع خارطة الطريق لمستقبل البلاد، وهو الكفيل بحل القضايا العالقة، وعلى رأسها الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً، وتوزيع الثروات بشكل عادل، وضمان عدم عودة الاستبداد الاقتصادي بأي لبوس جديد. ودون هذا التوافق السياسي العريض، ستظل أي محاولة للإعمار مجرد ترقيع أو إعادة تدوير للنهب الممنهج.

وبعيداً عن صفقات الخصخصة، يؤدي غياب خطة إعمار وطنية شاملة إلى دفع البلاد نحو نموذج اقتصادي يعتمد على الاستهلاك والخدمات الهامشية بدلاً من الإنتاج. فعندما تتخلى الدولة عن دورها في قيادة قاطرة الإعمار الإنتاجي من ترميم للمصانع، واستصلاح للأراضي الزراعية وتأهيل لشبكات الري وغيرها، فإنها تترك الساحة مفتوحة لنمو اقتصاد الظل الذي تسيطر عليه أموال مجهولة المصدر ونخب تجارية لا تهتم ببناء قاعدة صناعية أو زراعية صلبة. حيث يخلق هذا التوجه حالة من النمو المشوه، فترتفع أسعار العقارات والمواد الاستهلاكية، بينما تظل الأجور والقدرة الشرائية للمواطن في الحضيض، مما يعمق الفجوة ويجعل من سورية سوقاً للبضائع المستوردة بدلاً من أن تكون ورشة للإنتاج.
تغييب الإعمار كعملية إنتاجية وطنية يعني أيضاً حرمان ملايين الشباب السوريين من فرص عمل كريمة ومستدامة، وتحويلهم إلى عمالة رخيصة في مشاريع خدمية لا تبني مستقبلاً. لهذا، فإن الاستراتيجية الوطنية لإعادة الإعمار يجب أن ترتكز على توطين التكنولوجيا وتحفيز القطاعات الإنتاجية المحلية لتكون هي المحرك لعملية البناء، بدلاً من الارتهان الكلي للشركات الخارجية التي تبحث عن الربح السريع والتحويلات بالعملة الصعبة إلى الخارج. والاستمرار في النهج الحالي سيحول سورية إلى كانتونات اقتصادية معزولة، حيث تنعم مناطق معينة بالاستثمارات التي تخدم النخبة، بينما تظل عموم البلاد تعيش حالة من الموت السريري. وسرعان ما سيشكل هذا التفاوت قنبلة موقوتة ستقوض أي فرصة للاستقرار السياسي المستقبلي، فالدولة التي لا تملك إنتاجها لا تملك قرارها، والشعب الذي لا يجد عملاً في إعمار بلده سيظل يبحث عن طريق للهجرة والرحيل.

استمرار الوضع الراهن المتمثل بالجمود سيؤدي حتماً إلى تكرار مآسي السوريين. وسنظل نرى مشاهد الجوع والانهيار المستمر في الخدمات الأساسية في المدن والأرياف، وسينزلق الوضع الاقتصادي نحو قاع جديدة، وهو ما يقود بطبيعة الحال إلى انفجارات اجتماعية لن تكون مجرد احتجاجات مطلبية فحسب، بل رد فعل طبيعي على شعور السوريين بالخذلان من أن تضحياتهم سرقت لصالح صفقات تجارية لا تعنيهم.

1536x864_cmsv2_f7da0d05-b4c1-5cd1-b4d8-e3e2f49d55f3-9521453_res_p52141

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265