الانفصال الكبير: لماذا لم تعد الإحصاءات تشبه حياتنا؟

الانفصال الكبير: لماذا لم تعد الإحصاءات تشبه حياتنا؟

لا يمكنك التفكير في السياسة والسياسات العامة من دون كلمات، لأنه لا توجد مطلقات، بل توجد اختيارات. الكلمات التي تستخدمها في التفكير في السياسة ستشكّل مسار هذا التفكير. من يرى أن حرائق الغابات مسألة «إدارة غابات» سيتصرف بطريقة مختلفة عمّن يراها نتيجة «مخيّمين طائشين». الكلمات تشكّل فهمنا لكل شيء.

روبين ماكالبين

فماذا يحدث عندما تختفي كلمة؟ أو في هذه الحالة عبارة؟ كانت عبارة تُستخدم طوال الوقت. كانت من أكثر التعبيرات تداولاً في السياسة، وكانت ساحة معركة أساسية في انتخابات بعد أخرى– ثم اختفت. ومنذ ذلك الحين ونحن نفكّر من دونها، ويبدو ذلك واضحاً.
العبارة التي أقصدها هي «مستوى المعيشة» واختفاؤها جعل السياسيين مرتبكين جداً بشأن الجمهور. إصلاح هذا يبدأ بالنظر في كيفية فقداننا لهذه العبارة، ولماذا لا يعمل ما حلّ محلها على نحو صحيح؟
فكيف فقدناها؟ هذا، كما هو الحال في أمور كثيرة، كان دينامية أطلقتها تاتشر ونفذها بلير. المشكلة بالنسبة للرأسمالية النيوليبرالية أن ما هو جيد لرأسماليي السوق الحرة ليس جيداً للجميع. أي إن عمل الرأسمالية المعولمة القائمة على السوق الحرة يضر بمستوى معيشة الناس. ولذلك، وبدفعٍ من كهنة اقتصاد السوق الحرة، استُبدل هذا المفهوم بمؤشرات بديلة.
تلك المؤشرات كان لها قاسم مشترك– كانت جميعها أرقاماً لا كلمات ذات معنى. جزّأت المفهوم المتماسك والموحّد لسؤال: «أي مستوى من الحياة أعيش؟» إلى مفاهيم مُجزأة، مثل: الدخل، والتضخم، والرفاه، والقدرة الشرائية، والتكاليف القابلة للتجنّب وغير القابلة للتجنّب، وأسعار الفائدة، وما إلى ذلك. كانت هذه المفاهيم موجودة دائماً، لكن ليس على حساب أثرها التراكمي.
ثم جرى التعامل معها عبر مؤشرات أخرى. على سبيل المثال: لم نُضِع وقتاً كبيراً في قياس الدخل أو الحديث عنه. بل اعتبرنا الدخل دالة في «النمو الاقتصادي» وهو ليس كذلك. واعتبرنا تكلفة المعيشة مجرد دالة في التضخم، وهي ليست كذلك أيضاً.
بصياغة مبسطة للغاية، استُبدل مفهوم سياسة تُركّز على طبيعة وتجربة الحياة التي نعيشها بسياسة ترى أن مستوى المعيشة هو دالة مباشرة لإحصاءات اقتصادية كلية قائمة على مقدار ما يمكننا استهلاكه. أو بعبارة أخرى، استُبدلت جودة حياتك بجودة حياة الشركات كمقياس لنجاحنا الوطني.

كان ذلك جزءاً من هجوم النخبة على اللغة. أتذكر أنه جرى استدعائي جانباً عام 1997 وإخباري بأنه لم تعد هناك «مشكلات Problems»، بل «تحديات Challenges» فقط. ضحكت لعشر دقائق تقريباً، ثم أدركت ما يعنيه الأمر. تلتها كلمة «فقر» التي كانت تتعلق بالمال، واستُبدلت بـ«الاندماج الاجتماعي» الذي كان يتعلق بكل شيء ما عدا المال.
لم يُقتل «مستوى المعيشة» رسمياً. النخبة قرروا فقط أننا «جميعاً مستهلكون الآن»، وبالتالي قاسوا جودة الحياة بمدى استهلاكنا. وقد قاد ذلك السياسة إلى طرق مسدودة كثيرة. لأن نظرية «الأرقام تصعد» تعني أنه عندما ترتفع كل الأرقام التي يختارها اقتصاديو السوق الحرة، يعتقد السياسيون أن الأمر قد حُل.

لكن أموراً غريبة بدأت تحدث. قبل نهاية عقد بلير في السلطة، بدأ النظام المصرفي يهتز ثم انهار. غيّر ذلك كل شيء. توقفت
المقاييس القديمة عن قياس ما كان يُفترض أن تقيسه. أو بعبارة أخرى، حدث «انفصال كبير» بين الإحصاءات والطريقة التي كان يُفترض أن ترتبط بها ببعضها وبنا. حدث ذلك ببطء بعد الأزمة المالية– ثم بسرعة كبيرة بعد الجائحة.
فعلى سبيل المثال: أصبح ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الآن يزيد البطالة. هذا معكوس تماماً– المفترض أن يحدث العكس. لكن بعد عقد ونصف من «اشتراكية للأغنياء» غير مسبوقة حصلوا فيها على عمليات إنقاذ حكومية ضخمة مرتين، واستخدموها لتضخيم قيم الأصول، حيث يتركز معظم ثرائهم، لم يعد الاقتصاد يعمل كما كان.
مثال آخر: ارتفاع إنفاق المستهلكين، يعني أشياء مختلفة تماماً في زمن يكون فيه 50% من الإنفاق بيد أغنى 10% يعيشون في أمريكا. كذلك، إذا لم تُحتسب أسعار الفائدة ضمن التضخم فأنت تقلل فعلياً من تقدير أزمة تكلفة المعيشة. ومثال آخر: هو إعطاء الوزن نفسه للإنفاق التقديري وغير التقديري. انخفاض أسعار أجراس الأبواب الذكية لا يعوّض ارتفاع الإيجارات...
هذا كله كثيف ومعقّد. هناك عالم من «الريع الاقتصادي» و«الرسوم الخفية التي تعمل كضرائب» وأكثر من ذلك، تستخدمه الشركات الآن بصورة روتينية، وهو غير مرئي في الإحصاءات، لكنه يضغط بشدة على المواطنين.

ولا يتعلق الأمر بالتكاليف فقط، بل بأكثر من ذلك. السكن قضية ضخمة، ومنازلنا تصبح أصغر فأصغر وغير متاحة لجيل كامل. الإيجار أغلى من الرهن العقاري، وإذا دُفع الناس إلى الإيجار فهذا تضخم خفي إضافي. تصف إحدى المقالات هذه المرحلة بأنها «ازدهار-ركود»، فترة تبدو فيها الإحصاءات جيدة جداً، بينما لا يوافق الجمهور لأنه لا يشعر بذلك. الأرقام تصعد، لكن تجربتنا لمستوى معيشتنا تتراجع. ولسنا راضين.
«التحول المهووس بالأرقام الذي اتخذته السياسة ليس سوى مجموعة محدودة من السياسيين يتظاهرون بيأس بأنهم قادرون على إدارة التعقيد، إذا تجاهلوه وأداروا شيئاً آخر بدلاً منه».
الخطوة الأولى للعكس بسيطة نسبياً. نحتاج إلى إحياء فكرة مستوى المعيشة. لا مؤشرات بديلة له، لا «تكلفة معيشة»، لا ناتج محلي إجمالي– بل نقاش حول ما إذا كانت حياتنا تتحسن ولماذا. يغيّر ذلك المنظور فوراً. إذا أصبحت المنازل أصغر فهذا إيجابي في حسابات الناتج المحلي، لكنه سيئ لمستوى المعيشة.

إذا بُنيت منازل جديدة في ضواحٍ بعيدة، لا يستطيع الناس التنقل من دون سيارة. الناتج المحلي لا يهتم، لكنك أنت تهتم. أقل من واحد من كل خمسة في بريطانيا يرغب في العيش في تلك «الصناديق البيضاء في حقل» التي يبدو أن مسؤولي التخطيط يحبونها.
مستوى الحياة معقد وسردي. لا يمكن وضع قيمة رقمية لكل شيء مهما طالبت الجداول بذلك. أين المقياس لعبارة «منزلي علبة صغيرة وأشعر أنني محاصر»؟ أين المقياس لعبارة «ساعتان مع روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي ولم أتقدم خطوة»؟
كيف يظهر الاحتيال في أرقام التضخم؟ متابعة نصائح الاحتيال باتت تشبه درجة جامعية. ماذا عن الخدمات العامة؟ لماذا يُقال: إن النمو سيصلحها؟ نمو إلى ماذا؟ مجرد أكبر؟ كمٌ أكبر؟ ومتى نصل؟
مثال آخر: أصبح الطعام أرخص. لكنه أصبح أرخص لأنه لم يعد طعاماً حقاً. إنه يمرضنا ويجعلنا بائسين، لكن الإحصاءات تقول غير ذلك. هل المقامرة جيدة أم سيئة؟ نقيسها تقريباً باعتبارها جيدة بالكامل. هذا بحد ذاته غريب، فالمنطق الاقتصادي نفسه يمكن أن ينطبق على الهيروين. تجار المخدرات فقط أقل مهارة في الضغط السياسي...
يشبه الأمر حكاية أربعة عميان يحاولون وصف فيل بلمس أجزاء مختلفة منه. كل جزء يبدو منطقياً– أفعى كبيرة على شجرتين متصلة ببقرة طويلة.
إحصاءات جديدة؟ نعم – ولا. كثيراً ما أقول: إننا نعدّ الأشياء الخطأ، لكن ذلك قد يوحي بأنه إذا عددنا الأشياء الصحيحة تختفي المشكلات. هذا سوء فهم آخر. صف لي اللون الأصفر باستخدام أرقام فقط بطريقة ذات معنى بالنسبة إليّ.
بعض الأمر ثنائي– إما تستطيع إطعام الأطفال وتدفئة المنزل أو لا. بعضه غير ملموس– إما تشعر أن لك قيمة لدى السياسيين أو لا. بعضه معقّد للغاية– حاول أن تصف لماذا بعض الأحياء مرغوبة وأخرى لا، وستجد أرقاماً كثيرة لا تجتمع في إجابة.
إلى أن نتوقف عن استخدام المؤشرات البديلة لتجربة الناس، ونجد طريقة أخرى للتفكير، سنستمر في الدوران في الحلقة نفسها. لهذا يُعدّ مفهوم مستوى المعيشة مفيداً جداً، لأنه لا يمكن تعريفه إلا من قبل المواطنين أنفسهم. قد تظن أنني سعيد بانخفاض فاتورة التدفئة، بينما أعرف أنني أطفئ التدفئة لأنني مفلس، والآن أنا أتجمّد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266