الأمريكيون يشعرون أن اقتصادهم يتدهور
بالمقارنة مع من يعتقدون بأنّه يتحسن، ضعف عدد الأمريكيين يعتقدون أن أمنهم المالي يزداد سوءاً، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي حصري جديد، أُجري لصالح صحيفة «الغارديان». يحمّل هؤلاء البيت الأبيض المسؤولية بشكل متزايد. يشكّل الاستطلاع، الذي أجرته شركة «هاريس»، ضربة إضافية لجهود إدارة ترامب في مواجهة الانتقادات الموجّهة إلى طريقة تعاملها مع الاقتصاد، ويتضمن نتائج مقلقة للرئيس.
لورين آراتاني
قال ما يقارب نصف الأمريكيين «45%» إن أمنهم المالي يزداد سوءاً، مقابل 20% قالوا: إنه يتحسن. وقال 57% من الأمريكيين: إن اقتصاد أمريكا يمرّ بحالة ركود، بزيادة قدرها 11% مقارنة باستطلاع مماثل أُجري في شباط.
في الحقيقة، لا يمرّ اقتصاد أمريكا فعلياً بحالة ركود، والتي تُعرَّف عادة بحدوث ربعين متتاليين من النمو السلبي. حتى أنّ أمريكا سجّلت الأسبوع الماضي أرقام نمو اقتصادي أقوى بكثير من المتوقع خلال أشهر الصيف.
لكنّ هذا التشاؤم يعكس عاماً اقتصادياً مضطرباً. فقد أفاد الأمريكيون بأنهم شعروا بالقلق نتيجة رسوم ترامب الجمركية، وعمليات التسريح الواسعة في الحكومة، والتشديد على الهجرة. كما انخفض مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن «مؤتمر مجلس الأعمال» لمدة خمسة أشهر متتالية.
أصرّ البيت الأبيض على أنه «يعيد اقتصادنا من حافة الخراب»، كما قال ترامب في خطاب ألقاه في منتصف كانون الأول. وأضاف الرئيس: «الآن، تحت قيادتنا، [الأسعار] كلها تنخفض– وهي تنخفض بسرعة».
يُبرز استطلاع «هاريس» الجديد الفوارق الحادة بين الانتماءات الحزبية، والنوع الاجتماعي، والعرق، والدخل، التي تشكّل كيفية نظر الناس إلى الوضع الاقتصادي الحالي. وكان الجمهوريون قد قيّموا تعامل جو بايدن مع الاقتصاد بشكل أشد قسوة بكثير من الديمقراطيين خلال فترة ولايته.
ولا تزال الانقسامات الصارخة بين الديمقراطيين والجمهوريين قائمة. فالديمقراطيون هم تقريباً ضعف الجمهوريين من حيث القول: إن أمنهم المالي يزداد سوءاً – 52 % مقابل 27 %.
لكن ما يثير القلق أكثر بالنسبة للجمهوريين، الذين سيضطرون العام المقبل إلى خوض معركة للحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس، هو أن ترامب لم ينجح في استمالة المستقلين. إذ قال 54% من المستقلين: إن أوضاعهم المالية تزداد سوءاً، بزيادة 9% مقارنة باستطلاع شباط. كما يعتقد معظم المستقلين «58%» أن البلاد تمرّ بحالة ركود.
وبات تحميل البيت الأبيض المسؤولية أكبر من أي وقت مضى. فعندما سُئل المشاركون عن الاختيار بين الحكومة أو الشركات للإجابة عن سؤال: «من هو الأكثر مسؤولية عن أي ارتفاع في الأسعار؟».
قال 76% من الديمقراطيين: إن السبب هو إدارة الحكومة للاقتصاد، بزيادة 17% مقارنة باستطلاع شباط. كما أشار 72% من المستقلين إلى الحكومة، بزيادة 14% مقارنة بشباط.
وكان الجمهوريون أقل ميلاً إلى إلقاء اللوم على الحكومة، إذ قال 55% منهم: إن الحكومة هي المسؤولة «بانخفاض قدره 6% مقارنة بشباط»، بينما حمّل 45% الممارسات الشركاتية المسؤولية.
وأظهر تحليل أُجري بعد انتخابات 2024 أن ترامب حقق تقدماً بين النساء والناخبين من أصول لاتينية. لكن في مؤشر مقلق آخر للجمهوريين، تراجعت نظرة هؤلاء الناخبين إلى الاقتصاد خلال عامه الأول.
وعلى الرغم من أن الأمريكيين عموماً باتوا أكثر تشاؤماً هذا العام، فإن النساء أقل ثقة بالاقتصاد بكثير من الرجال. إذ يعتقد ما يقارب ثلثي النساء «62%» أن أمريكا تمرّ بحالة ركود، بزيادة 12% مقارنة بشباط، مقابل 52% من الرجال يعتقدون الأمر ذاته. كما تعتقد نصف النساء «50%» أن أمنهن المالي يزداد سوءاً، مقابل 39% من الرجال.
وتظهر فجوات عرقية صارخة في المعتقدات حول الحالة العامة لاقتصاد أمريكا. فثلثا الناخبين السود ومن أصول لاتينية «66% و67% على التوالي» يعتقدون أن أمريكا في حالة ركود، مقارنة بـ 52% من الناخبين البيض. وكانت الزيادة لدى الناخبين من أصول لاتينية «11% مقارنة بشباط» هي الأعلى بين أي مجموعة عرقية.
كما سلّط الاستطلاع الضوء على ما أشار إليه بعض الاقتصاديين بوصفه «اقتصاداً على شكل حرف K» – أي الانقسام في الشعور الاقتصادي بين الأمريكيين الأثرياء، وهم المستفيدون الأكبر من ازدهار سوق الأسهم، وبين باقي السكان. فمن بين من يقل دخلهم عن 50000 دولار سنوياً، قال 59%: إن أمنهم المالي يزداد سوءاً، بزيادة 13% مقارنة باستطلاع شباط. في المقابل، قال 37% فقط من الذين يزيد دخلهم عن 100000 دولار: إن الأوضاع تزداد سوءاً.
لا يقتصر هذا المزاج التشاؤمي على استطلاعات الرأي السياسية، بل تؤكده مؤشرات مؤسساتية مستقلة ترصد سلوك المستهلكين وتوقعاتهم. فمؤشر ثقة المستهلك الصادر عن Conference Board واصل التراجع للشهر الخامس على التوالي في كانون الأول 2025، في مسار هبوطي يعكس تصاعد القلق المرتبط بالدخل، والوظائف، والقدرة على تحمّل تكاليف المعيشة. وتشير الجهة نفسها إلى أن مؤشرات التوقعات المستقبلية، ولا سيما “المؤشرات الاقتصادية القيادية”، سجلت انخفاضاً مستمراً خلال معظم عام 2025، وهو ما يُعد تقليدياً إشارة على ضعف متقدّم في الدورة الاقتصادية، حتى في غياب ركود تقني بالمعنى الإحصائي الضيق.
وتعزّز نتائج مسوح جامعة ميشيغان هذا الاتجاه. فمؤشر المزاج الاقتصادي للمستهلكين بقي أدنى بنحو 30% مقارنة بمستواه في كانون الأول 2024، في حين أفاد 63% من المشاركين بأنهم يتوقعون ارتفاع البطالة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. ووفق تقارير متابعة نُشرت خلال خريف 2025، اقترب المؤشر من أدنى مستوياته خلال ثلاث سنوات ونصف، ما يعكس فجوة متزايدة بين المؤشرات الكلية الإيجابية نسبياً، وبين إحساس الأسر بمسار الاقتصاد الفعلي في حياتها اليومية.
وعلى مستوى أكثر مباشرة، يبيّن تقرير الاحتياطي الفيدرالي حول الرفاه الاقتصادي للأسر، أن التضخم وتكاليف المعيشة ما زالا يشكّلان المصدر الأول للضغط المالي. ففي تصنيف المخاوف الاقتصادية التي عبّر عنها المشاركون، جاءت “الأسعار والتضخم” في المرتبة الأولى بنسبة تقارب 37%، تليها المصاريف الأساسية ثم تكاليف السكن. هذه النتائج توضّح أن مسألة الأسعار لم تعد مجرّد نقاش سياسي أو إعلامي، بل محوراً يومياً لشعور عدم الأمان المالي، وهو ما يفسّر تزايد تحميل الحكومة مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة في استطلاعات الرأي الأخيرة.
وفي الخلفية، تكشف بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عن صورة أكثر بنيوية للضغوط المعيشية. فقد ارتفع إجمالي دين الأسر الأمريكية إلى نحو 18.59 تريليون دولار في الربع الثالث من عام 2025، بينما بلغت أرصدة بطاقات الائتمان وحدها 1.23 تريليون دولار، مع تسجيل زيادات سنوية متواصلة. ويعني ذلك عملياً أن جزءاً متنامياً من الاستهلاك اليومي يُموَّل بالديْن، في ظل أسعار فائدة مرتفعة نسبياً، ما يعمّق الإحساس بالهشاشة المالية حتى لدى الأسر التي لا تزال تعمل، أو تستفيد نظرياً من نمو اقتصادي عام.
ولا يقف الأمر عند حدود ارتفاع المديونية، بل بدأ ينعكس أيضاً في مؤشرات التدهور الائتماني. إذ تشير مذكرات بحثية صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب تحليلات جهات تصنيف ائتماني كبرى، إلى ارتفاع معدلات التأخر عن السداد في بطاقات الائتمان وقروض السيارات، وهو تطور يُقرأ عادة بوصفه مؤشراً متقدّماً على ضغط مالي حقيقي داخل الأسر، لا مجرد تشاؤم نفسي أو رد فعل سياسي عابر.
بهذا المعنى، يظهر أن الإحساس الواسع بأن الاقتصاد «يسير نحو الأسوأ» لا يتناقض بالضرورة مع تسجيل نمو في الناتج المحلي، أو تحسّن بعض المؤشرات الكلية، بل يعكس فجوة متسعة بين الأداء الكلي للاقتصاد، وبين شروط العيش الفعلية لغالبية الأمريكيين. وهي فجوة باتت واضحة في استطلاعات الرأي، وفي البيانات المالية للأسر، وفي مؤشرات الثقة والتوقعات، على حدٍّ سواء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259