من المستفيد من تحويل سورية إلى محطة لتصريف السلع الرديئة؟

من المستفيد من تحويل سورية إلى محطة لتصريف السلع الرديئة؟

يدخل الاقتصاد السوري اليوم منعطفاً ربما هو الأخطر في تاريخه الحديث، ليس بسبب تبعات سنوات الحرب فحسب، بل أيضاً بسبب التخريب التجاري المتسارع الذي تقوده العقلية الحاكمة للاقتصاد السوري اليوم. فمع مطلع عام 2025، شهدنا تحولاً صادماً في سياسات التجارة الخارجية السورية، حيث جرى فجأة رفع العديد من القيود أمام تدفقات السلع المنفلتة من كل حدب وصوب، وبشكلٍ أساسي عبر الحدود التركية والأردنية، تحت مسمى «تحرير التجارة». بطبيعة الحال، لم يكن هذا الانفتاح نتيجة دراسات جدوى اقتصادية تراعي مصلحة المواطن أو تحمي المنتج الوطني، بل بدا وكأنه عملية استباحة منظمة للسوق السورية والإنتاج المحلي. حيث تم تخفيض الرسوم الجمركية إلى مستويات منخفضة، وألغيت قيود الاستيراد بشكلٍ كبير، مما أغرق الأسواق بكل ما يمكن تخيله، ابتداءً من الألبسة البالية والخردة الإلكترونية وصولاً إلى السلع الغذائية مجهولة المصدر. مما يدفع العديد من الاقتصاديين للتأكيد على أن ما يحدث اليوم ليس تجارة حرة بالمعنى العلمي، بل هو إغراق متعمد يسرع من تحول سورية من بلد منتج كافح لعقود للحفاظ على ما تبقى من هويته الصناعية، إلى مجرد مستودع كبير للمنتجات الأجنبية الكاسدة، وذلك في ظل غياب كامل لأي ضوابط فعلية تحمي الاقتصاد السوري وما تبقى من عناصر تؤمن له إعادة الانطلاق مجدداً.

اليوم، وخلف بريق السلع المستوردة المتراكمة على الأرصفة وفي واجهات المتاجر، تستتر كارثة وطنية تمس لقمة عيش السوريين وقيمة مدخراتهم. ويمكن القول إن النهج الذي تتبعه الحكومة في إدارة ملف التجارة الخارجية يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع، أو ربما انحيازاً كاملاً لمصالح طبقة من التجار والمستوردين المرتبطين بدوائر النفوذ على حساب المواطنين السوريين. حيث لا يختلف عاقلان على أن فتح الحدود دون قيود حقيقية، في وقت لم تتعافَ فيه المصانع السورية من آثار الحرب ولم تستعد قدرتها التنافسية، هو بمثابة حكم بالإعدام على الصناعة الوطنية. حيث لا تقتصر المشكلة على المنافسة غير العادلة، بل تتعداها إلى استنزاف ما تبقى من قطع أجنبي لتمويل سلع استهلاكية وكماليات وسيارات، بينما يرزح الإنتاج الحقيقي تحت وطأة التكاليف المرتفعة بشكل مستمر.


إغراق الأسواق وتحويل البلاد إلى مستودع خردة


بالتجربة المباشرة، يدرك السوريون اليوم أن ثمن شعارات «الانفتاح» و«اقتصاد السوق الحر التنافسي» التي أعقبت سقوط السلطة السابقة هو تحويل سورية إلى مستوعب لتصريف كميات كبيرة من الإنتاج رديء الجودة إقليمياً ودولياً دون أي رقابة صحية أو تقنية. ومنذ بداية عام 2025، تدفقت السلع عبر المنافذ الحدودية بوتيرة لم يسبق لها مثيل، وبشكل منفلت يفتقر لأدنى المعايير التي تتبعها الدول في حماية أمنها الغذائي والقومي. ومن الواضح أن الأسواق السورية اليوم تعج بمواد بناء مجهولة المواصفات، وأدوات كهربائية تفتقر لشهادات المنشأ، وصولاً إلى السيارات التي بدأت تملأ الشوارع وغيرها الكثير من السلع التي لا تشكل أولوية قصوى في الاستهلاك السوري.
فوق ذلك، فإن الخطورة لا تكمن فقط في كمية الواردات، بل في نوعيتها أيضاً. حيث غابت الرقابة التموينية والصحية الفعالة عن معظم السلع المستوردة، بما في ذلك عبوات المياه التي تباع بأسعار زهيدة تثير الشكوك حول جودتها.
ووزارة الاقتصاد والصناعة، المنوط بها تفعيل قانون مكافحة الإغراق، وقفت موقف المتفرج أمام دخول آلاف الأطنان من السلع الرديئة والمستعملة، بما في ذلك الألبسة والمستلزمات الطبية والكهربائية، حيث تؤدي السلع الأجنبية الرخيصة وذات الجودة المنخفضة إلى طرد السلع المحلية من السوق، لأن المستهلك المنهك شرائياً يميل للسعر الأدنى بغض النظر عن الجودة أو الأثر البيئي والصحي في غالب الأحيان. وقد جرى ذلك رغم وجود ترسانة قانونية تسمح للحكومة بفرض رسوم حمائية فعلية واتخاذ إجراءات وقائية لحماية المنتج المحلي، إلا أن هذه القوانين ظلت حبيسة الأدراج، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول المستفيد الحقيقي من هذا الشلل.
وعليه، فإن «المنافسة» اليوم هي غير متكافئة بكل ما للكلمة من معنى. فالمنتج السوري، الذي يعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة تأمين المواد الأولية، وتعقيدات الشحن، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام منتجات مدعومة من دولها وتدخل إلى سورية دون إجراءات حمائية حقيقية. وقد خلق هذا الواقع حالة من الفوضى التجارية التي لا تخدم سوى كبار المستوردين الذين يملكون السيولة والارتباطات العابرة للحدود، في حين يجد الصناعي الصغير والمتوسط نفسه عاجزاً عن تصريف إنتاجه، مما يدفعه نحو الإفلاس أو الإغلاق.
تتجاهل النخب التي تدير هذا المشهد حقيقة أن الصناعة السورية لم تخرج بعد من حرب دمرت بنيتها التحتية، وأنها بحاجة لفترة حضانة وحماية لا لصدمات إضافية غير محسوبة النتائج. والاستمرار في هذا النهج يعني تحويل سورية إلى مجرد سوق استهلاكي، حيث نفقد مع مرور الوقت الخبرات الفنية واليد العاملة الماهرة التي ستهاجر بحثاً عن فرص في بلدان تحترم صناعتها وتدعم منتجيها.


استنزاف النقد وتهريب الثروة... الليرة في مذبح الاستيراد


الجريمة الكبرى التي ترتكبها السياسات التجارية الحالية تتمثل في النزيف المنظم للنقد الأجنبي. في الدول التي تحترم إنتاجها، تعتبر التجارة الخارجية واحدة من أدوات التنمية الفعلية وعامل أساسي في تخديم الصناعة المحلية، لكنها في سورية اليوم تحولت فعلياً إلى أداة لتبديد الثروة الوطنية، فالأموال التي يكدح السوريون لتحصيلها، تنفق اليوم على استيراد سلع استهلاكية يمكن إنتاج معظمها محلياً، بل والأسوأ من ذلك، أنها تنفق في كثير من الأحيان على استيراد السلع الكمالية وكأن الاقتصاد السوري يعيش في حالة رخاء لا في حالة أزمة.
وبما أن الإنتاج الوطني يعاني من بطء شديد في العودة إلى مسار التصدير، فإن ميزان المدفوعات السوري سيعاني من عجز غير مسبوق ربما، حيث أن الطلب المستمر على الدولار من جانب التجار والمستوردين لتغطية شحنات السلع من دول الجوار السوري، يخلق ضغطاً كبيراً على قيمة الليرة السورية التي تواصل تراجعها أمام العملات الأجنبية مما ينعكس مباشرة على التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية التي يحتاجها الفقراء السوريون.
ومع إعلان رفع العقوبات عن سورية، وبدلاً من أن يكون ذلك مدخلاً للبحث الجدي في كيفية تطوير البنية التحتية وقطاعات الإنتاج الحقيقي، يتحول الأمر إلى نقمة على الاقتصاد السوري في ظل العقلية التجارية الحالية. حيث التوقعات لعام 2026 تشير إلى أن التبادل التجاري سيزداد ضخامة مع بقية دول العالم، ولكن في اتجاه واحد هو الاستيراد. وهذا يعني أن الطلب على الدولار سيتضاعف، ومع غياب مصادر حقيقية ومستدامة للنقد الأجنبي، مثل الصادرات الصناعية والزراعية القوية، فإن الليرة السورية مرشحة لانهيارات جديدة تهدد جدياً ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطنين السوريين الذين يعيش نحو 90% منهم تحت خط الفقر وفقاً لأرقام الأمم المتحدة.
ما يحدث عملياً هو نقل مباشر للثروة من جيوب السوريين إلى الخارج، فالمواطن يدفع بالليرة ثمن سلعة مستوردة، والتاجر يحول هذه الليرات إلى دولار ليسحبها من الدورة الاقتصادية المحلية ويغذي بها دورات الإنتاج في اقتصادات دول الجوار. ويؤدي هذا المسار في نهاية المطاف إلى تجفيف السيولة من الاقتصاد السوري وتعطيل أي جهد للاستثمار في مشاريع إنتاجية طويلة الأمد.
تساهم الحكومة بتسهيلها لهذه العمليات في تدمير الأمان المالي للسوريين، وتجعل من سورية رهينة للتقلبات السعرية العالمية ولإرادة الموردين الأجانب، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى سياسة اقتصادية ذكية توجه النقد الأجنبي بشكلٍ أساسي للمواد الأولية والآلات التي تعيد تشغيل المعامل المتوقفة.

companies-large_result


صرخة المنتجين...وفجوة الـ 14 عاماً


لم يعد الصمت ممكناً أمام مشهد العديد من المصانع التي تغلق أبوابها والعمال الذين يتركون وظائفهم. وجميعنا نذكر كيف تعالت أصوات الصناعيين في دمشق وحلب خلال عام 2025، ونظموا وقفات احتجاجية تعبر عن يأس حقيقي من المسار الحالي للسياسات الحكومية. حيث يجد هؤلاء الصناعيون، الذين صمد معظمهم خلال سنوات الحرب، أنفسهم اليوم ضحية لرصاصة الرحمة التي تطلقها السياسات الاقتصادية عبر «تحرير» التجارة الفوضوي.
وواحدة من المشكلات الجوهرية التي يواجهها المنتج السوري هي فجوة الزمن. فبينما كان العالم يطور تقنيات الإنتاج وأساليب توفير الطاقة على مدار 14 عاماً، كان الصناعي السوري معزولاً بشكلٍ كبير، يكافح لتأمين وقود لمولدات الكهرباء ويبحث عن طريق آمن لنقل بضاعته. واليوم، يجد المعمل السوري للأدوات المنزلية أو المواد الغذائية نفسه مضطراً لمنافسة معامل خارجية تستخدم تكنولوجيا أحدث وتعمل بطاقة أرخص بكثير لأنها مدعومة في دولها. والنتيجة النهائية لهذا الواقع هي تكدس المنتجات المحلية في المستودعات لأنها أغلى ثمناً وأقل جودة في كثير من الأحيان بفعل عدم تطوير الإنتاج كما يجب على الأقل منذ عام 2011.
لهذا يحذر الكثير من الصناعيين من أن عام 2026 قد يشهد إغلاقات جديدة للمعامل، وخاصة في قطاعات الصناعات الهندسية والغذائية والنسيجية. وهذه الإغلاقات ستشكل كارثة اجتماعية بما تحمله من فقدان الآلاف من فرص العمل، وتحويل الكثير من المنتجين إلى جيش من العاطلين عن العمل أو المهاجرين.
والحجج التي تسوقها النخب المدافعة عن الاستيراد المنفلت، بدعوى تخفيض الأسعار للمستهلك، هي حجج واهية ومخادعة، فالتوفير البسيط الذي قد يحصل عليه المواطن عند شراء سلعة أجنبية رخيصة، سيدفع ثمنه أضعافاً غداً عندما يفقد وظيفته، وعندما تنهار قيمة عملته بسبب نزف العملات الأجنبية، وعندما يجد نفسه مرتهناً لسلع قد تنقطع عنه في أي لحظة لأسباب سياسية أو غيرها.
الحل ليس خيالياً ولا بعيد المنال، ولا يكمن في إغلاق البلاد بل في الحمائية الفعالة للمنتج الوطني، أي فرض رسوم جمركية تصاعدية على السلع التي لها مثيل محلي، ودعم تكاليف الطاقة للمصانع، ومنح قروض لتحديث الخطوط الإنتاجية لردم فجوة الـ14 عاماً الماضية. أما الاستمرار في هذا النهج، فسيحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد يعيش على فتات التجارة الخارجية والسمسرة. والشعب السوري الذي دفع أثماناً باهظة على مدار السنوات السابقة يستحق اقتصاداً يصون كرامته، لا سياسات تملأ جيوب نخب الفساد الكبير وتزيد الفقراء فقراً.

download-large_result
الدفاع عن الصناعة الوطنية هو دفاع عن الهوية السورية وعن حق الأجيال الحالية والقادمة في وطن يمتلك أدوات إنتاجه. ومصلحة الشعب السوري تقتضي وقف هذه الفوضى التجارية فوراً، والاتفاق بين السوريين على نموذج اقتصادي وطني يحمي المنتج السوري ويعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج في مواجهة قيم السمسرة والفساد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259