تجار الدم في صالونات «العهد الجديد»:التفاف على العدالة وشرعنة للنهب

تجار الدم في صالونات «العهد الجديد»:التفاف على العدالة وشرعنة للنهب

بعد مرور عام كامل على سقوط سلطة الأسد التي جثمت على صدور السوريين لعقود، لا تزال البلاد تعيش في مخاض عسير تتنازعه آمال التحرر ومخاوف الارتداد إلى أنماط قديمة من الظلم والنهب بأسماء جديدة. وبينما ينشغل السوريون بلملمة جراحهم والبحث عن مفقوديهم ومحاولة إعادة بناء ما دمرته الحرب، تبرز إلى السطح قضية أمراء الحرب ورجال الأعمال الذين تحولوا إلى حيتان مالية على أنقاض المدن السورية المدمرة. حيث يستعد هؤلاء اليوم - الذين لم يكتفوا بالوقوف مع سلطة الأسد، بل كانوا محركاً اقتصادياً للحرب السورية - للقفز من مركب الماضي عبر بوابات خلفية تفتحها اللجان والمراسيم الرئاسية التي تثير الكثير من الريبة. إذ يجد السوريون الذين واجهوا الرصاص والبراميل المتفجرة أنفسهم اليوم في مواجهة عدو لا يقل خطورة، وهو الفساد المؤسساتي الذي يحاول شرعنة أموال الدم تحت مسميات براقة مثل «العدالة الاقتصادية والشفافية»، في محاولة واضحة لطي صفحة الجرائم الاقتصادية دون محاسبة حقيقية تليق بحجم الكارثة السورية.

مستندة إلى القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، أعلنت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» مؤخراً عن برنامج «الإفصاح الطوعي» الذي يستهدف رجال الأعمال المشتبه في اكتسابهم ثروات غير مشروعة نتيجة قربهم من السلطة السابقة. ويتضمن هذا البرنامج - الذي يروج له مسؤولون في اللجنة كأداة لتحقيق الاستقرار المالي وضمان الشفافية - التواصل مع نحو 900 رجل أعمال، أعلن بعضهم بالفعل عن رغبته في «تسوية وضعه».
لكن ما وراء الكلمات المنمقة تكمن حقيقة مرة، فهذه التسويات ليست سوى صكوك غفران تباع وتشترى، وتسمح لمن نهب ثروات الشعب السوري بالاحتفاظ بالجزء الأكبر من غنيمته مقابل فتات يرمى في خزينة الدولة. وقد أثار هذا التوجه غضباً شعبياً، حيث يرى السوريون في هذه اللجنة التفافاً على مبادئ العدالة التي نادوا بها. ويعكس هذا الغضب وعياً سياسياً يدرك أن فصل الجريمة المالية عن سياقها الجنائي الحربي هو تمييع للمسؤولية التاريخية لهؤلاء الفاسدين الكبار الذين لم يكونوا مجرد تجاراً أخطأوا في حساباتهم الضريبية، بل هم شركاء في التعفيش وتجارة المعابر واحتكار لقمة العيش، ومنحهم فرصة التسوية اليوم يعني ببساطة إعطاء الشرعية لنخبة فاسدة ستستمر في التحكم بمستقبل سورية بفضل الأموال التي سرقت من الضحايا أنفسهم.


كيف تحول الدمار إلى أرصدة بنكية؟


فهم خطورة التسويات التي تجريها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع يتطلب أولاً تشريح الكيفية التي تراكمت بها هذه الثروات. حيث أن الحرب السورية تجاوزت حدود الصراع العسكري، لتصل إلى «إعادة هندسة اقتصادية» وحشية، حيث تغذت طبقة من رجال الأعمال الذين تخصصوا في استثمار المأساة السورية.
إن ما يعرف باقتصاد التعفيش على سبيل المثال، لم يكن مجرد ظواهر فردية لجنود ومقاتلين يسرقون أثاث البيوت، بل كان قطاعاً اقتصادياً منظماً أداره كبار رجال الأعمال. هؤلاء حولوا مدناً كاملة إلى مناجم للخردة، فكانت الأبنية التي سقطت فوق رؤوس أصحابها تتحول بقدرة قادر إلى حديد ونحاس يعاد تدويره في مصانع مملوكة لهذه النخبة، ليباع لاحقاً في الأسواق وبأسعار مرتفعة جداً. وبالتالي، فإن هذه الأموال لم تكن نتاج نشاط تجاري طبيعي، بل نتاج عملية نهب بنيوي طالت الملكيات الخاصة والعامة على حد سواء، مما يجعل من هؤلاء الأشخاص شركاء مباشرين في الحرب الطاحنة.
وفوق ذلك، برز دور هؤلاء التجار في إدارة اقتصاد المعابر والالتفاف على العقوبات الدولية، حيث كانوا الواجهة المالية التي تمول العمليات العسكرية مقابل امتيازات احتكارية في قطاعات اقتصادية متنوعة. وفي الوقت الذي كان فيه السوريون يتضورون جوعاً في المناطق المحاصرة، كان هؤلاء الفاسدون الكبار يحققون أرباحاً خيالية عبر التحكم في طرق الإمداد وفرض إتاوات باهظة على مرور البضائع والناس. وبالتالي، فإن ثرواتهم هي حرفياً «أموال دم»، لأن كل دولار كسبوه كان يقابله حرمان طفل سوري من الحليب أو فقدان مريض لدواء حيوي. واليوم، عندما تأتي السلطة الجديدة لتقترح تسوية مع هؤلاء، فإنها تتجاهل أن هذه الثروة هي الأداة التي أطالت أمد الحرب ومنحت السلطة السابقة القدرة على الاستمرار.
لذلك، فإن «الإفصاح الطوعي» في هذا السياق هو مصطلح مضلل، لأنه يفترض وجود «نوايا طيبة» لدى أشخاص بنوا إمبراطورياتهم على أنقاض المنازل المهدمة، ويسمح لهم بغسل سمعتهم وأموالهم دفعة واحدة.
والخطر الأكبر يكمن فيما يسمعه السوريون هنا وهناك من أن هذه الأموال المنهوبة، التي تحاول التسويات أن تشرعنها، ستكون واحدة من محركات إعادة الإعمار. وهذا يعني أن من دمر سورية ومن استفاد من دمارها، هو نفسه من سيربح مجدداً من عملية إعادة البناء، مما يخلق حلقة مفرغة من الفساد تجعل الشعب السوري رهينة دائمة لهذه النخبة التي ستحول عملية إعادة الإعمار إلى شعار فارغ لا ينعكس على حياة السوريين بأي تحسن.
يدرك المجتمع السوري تماماً أن الفاسدين الكبار من أزلام سلطة الأسد يمتلكون اليوم القدرة المالية على شراء الولاءات والسيطرة على وسائل الإعلام والتأثير على القرار السياسي. وبدلاً من أن تكون أموالهم وسيلة لتعويض الضحايا وبناء اقتصاد وطني متين، ستتحول إلى أداة لترسيخ نفوذهم الطبقي. والتغاضي عن أصل هذه الثروات تحت حجة «الواقعية الاقتصادية» أو «الحاجة للسيولة المالية» هو خطيئة كبرى بحق السوريين، لأن الدولة التي تبدأ حياتها بمقايضة العدالة بالمال هي دولة تحكم على نفسها بالارتهان لمصالح الفاسدين، وتؤطر لنظام نهب جديد سيكون أقسى من سلفه لأنه يتمتع بغطاء قانوني وشرعية «انتقالية» زائفة.


لماذا تفشل العدالة الانتقالية عندما تنفصل عن الاقتصاد؟


جاء رد «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» على غضب الشارع ليزيد من عمق المشكلة، حيث حاولت الهيئة تبرير التسويات بأنها إجراءات «إدارية واقتصادية» لا تمنح حصانة قانونية دائمة ولا تعفي من المسؤولية الجنائية. يمثل هذا المنطق سقطة كبرى في فهم فلسفة العدالة الانتقالية، ويقوم على فصل تعسفي وغير واقعي بين الجريمة المالية والجريمة الجنائية. ففي السياق السوري، لا يمكن الحديث عن رجل أعمال فاسد فقط، لأن الفساد في ظل الحرب السورية كان فعلاً سياسياً وعسكرياً بامتياز، فالتمويل هو عصب الحرب، ومن استخدم نفوذه لتجويع المدن، هو شريك أصيل في جرائم الحرب. ومحاولة تصوير هذه الأفعال كجرائم اقتصادية يمكن حلها بتسويات مالية هي محاولة لتمزيق ملف العدالة وجعله غير قابل للتحقيق.
هذا الفصل المفتعل يهدف في جوهره إلى تمييع الجرائم الكبرى، فإذا حصل رجل الأعمال على براءة ذمة اقتصادية، فإنه سيستخدم قوته المالية فوراً للتأثير على المسار الجنائي. والعدالة الانتقالية في تجارب دولية ناجحة كانت تؤكد دائماً أن المحاسبة الاقتصادية هي ركن أساسي لا يقل أهمية عن المحاسبة الجنائية. ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تترك الشركات التي دعمت النازية واستخدمت العمالة القسرية وشيدت آلة القتل لتستمر في عملها بمجرد دفع غرامات، بل خضعت لعمليات تفكيك وإعادة هيكلة وفرضت عليها تعويضات كبيرة ذهبت مباشرة للضحايا. أما في سورية، فإننا نرى توجهاً يسير في الاتجاه المعاكس، حيث يتم منح هؤلاء فرصة «الإفصاح» عن جزء من ثرواتهم مقابل البقاء في المشهد الاقتصادي، وهو ما يتناقض جذرياً مع مبدأ «ضمان عدم التكرار» الذي هو أحد أعمدة العدالة الانتقالية الأربعة.

f26999257ce92617f638a6e561f74438_result
وقد علمتنا التجربة التونسية بعد عام 2011 درساً في هذا الصدد، فعندما تم طرح قانون «المصالحة الإدارية والاقتصادية» الذي يهدف للعفو عن رجال الأعمال الفاسدين مقابل إعادة بعض الأموال، اندلعت احتجاجات واسعة تحت شعار «ما نيش مسامح». وكان المحتجون على حق، لأن تلك المصالحة لم تجلب الرخاء الاقتصادي الموعود، بل أدت إلى عودة رموز النظام القديم بقوة إلى مفاصل الدولة، وأحبطت الشباب الذي رأى لصوص الأمس يصبحون سادة اليوم. وتكرار هذا السيناريو في سورية سيكون كارثياً، لأن حجم الجريمة السورية ومستوى الدمار يفوق بمراحل ما حدث في أي دولة أخرى.
إذا استطاع رجل الأعمال الذي مول الحرب أن ينجو بتسوية مالية، فماذا سيقال لعائلات الضحايا؟ وكيف سيقتنع المقاتل الذي ارتكب انتهاكات بأنه يجب أن يحاسب بينما سيده الذي مول الجريمة يعود إلى ممارسة عمله بفضل التسوية الاقتصادية؟ إن هذا التمييز الطبقي في تطبيق العدالة هو الذي يؤسس لخراب قادم ولصراعات أهلية لا تنتهي. الثروات المنهوبة ليست ملكية خاصة لرجال الأعمال هؤلاء حتى يفاوضوا عليها، بل هي أصول وطنية منهوبة يجب استردادها بالكامل دون قيد أو شرط.


بدائل التسويات وحقوق الشعب


إن المخرج الوحيد من هذا المأزق هو العودة إلى المبادئ الوطنية التي تضع مصلحة الشعب السوري فوق كل اعتبار. لا يجب أن تقبل الحكومة السورية اليوم بأي شكل من أشكال التسويات التي تترك لهؤلاء الفاسدين الكبار أي نفوذ مالي أو سياسي. الخطوة الأولى تبدأ بإلغاء برنامج «الإفصاح الطوعي» الذي يسمح لرجال الأعمال هؤلاء بالتهرب، واستبداله ببرنامج تقصي إلزامي ومصادرة شاملة بالاستفادة من تجارب الدول التي سبق لها أن جربت هذا المسار. حيث يجب تشكيل لجان تحقيق قضائية مستقلة، تضم خبراء ماليين وقانونيين لمسح كافة الأصول والثروات التي تراكمت خلال السنين الماضية. والقاعدة القانونية يجب أن تكون بسيطة وواضحة هي أن كل ثروة لا يمكن إثبات مصدرها المشروع عبر نشاط تجاري نزيه وبعيد عن تجارة الحرب، هي ثروة مشبوهة ويجب أن تخضع للمصادرة لصالح صندوق وطني عام. وهذا الصندوق، الذي يمكن تسميته «صندوق جبر ضرر السوريين»، يجب أن يدار بشفافية تامة وبإشراف شعبي مباشر، وتوجه أمواله حصراً لأغراض التنمية في سورية.
الشعب السوري لا يريد من هؤلاء «إفصاحاً»، بل يريد استعادة ما سرق منه عنوة. إن أي مبلغ يُدفع كجزء من تسوية هو في الحقيقة اعتراف بالجريمة، والاعتراف بالجريمة يجب أن يقود إلى السجن والمصادرة الكاملة، لا إلى العفو والاندماج مجدداً في السوق. والسماح للفاسدين الكبار هؤلاء بالاستثمار اليوم يعني السماح لهم بشراء الدولة والمجتمع، وهو ما يجهض أي أمل في بناء ديمقراطية حقيقية. فالقوة المالية في بلد خارج من الحرب هي قوة سياسية هائلة، وإذا بقيت هذه القوة بيد النخبة الفاسدة، فإننا نكون قد استبدلنا استبداداً باستبداد آخر.

jpg-1024x768_result
رجال الأعمال هؤلاء ليسوا قدراً محتوماً على سورية، والثروة التي يلوحون بها ليست منة منهم بل هي حق مسلوب. على الحكومة السورية أن تدرك أن الاستقرار لا يستمد من رضا النخب المالية أو القدرة على جمع بعض السيولة السريعة، بل من الوفاء لآلام الملايين الذين ضحوا بكل شيء من أجل بلد يسوده القانون والعدل، وأن الطريق إلى سورية المزدهرة لا يمر عبر صالونات رجال الأعمال الفاسدين وتسوياتهم، بل عبر القضاء العادل واستعادة كل ليرة سرقت من لقمة عيش السوريين ومن حطام البيوت المهدمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260