بقوة «بريكس» وتوسعاتها اللاحقة.. معادلة الإنتاج العالمي تنقلب!

بقوة «بريكس» وتوسعاتها اللاحقة.. معادلة الإنتاج العالمي تنقلب!

على مدى السنوات الماضية، أحاطت بعض الشكوك بمصداقية التنبؤات المتعلقة بالتأثير المتوقع لمجموعة دول «بريكس» على التوازنات الدولية. في ذلك الوقت، قوبل التأكيد على أن هذه الدول يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى بشكل واضح بشكوكٍ كبيرة. رغم ذلك، ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن هذه التحفظات لم يكن لها أساس من الصحة، وأن التوقعات الأولية بارتفاع وزن «بريكس» دولياً كانت قائمة بالفعل على أسسٍ سليمة.

في الآونة الأخيرة، شهدنا تطوراً ملحوظاً في مكانة وتأثير دول مجموعة «بريكس» على الساحة العالمية. ورغم حالة الشك التي تصيب بعض المتابعين عندما يحدث تردد أو ارتباك في عمل المجموعة من حين لآخر، أثبتت الدول الأعضاء في المجموعة - البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا- أنها ليست مجرد لاعب هامشي في المسرح العالمي، بل سرّعت تقدمها في جميع ساحات المواجهة مع الغرب على الساحة الدولية، مثبتة تأثير واضح وهائل لها.

1135j

من هي «بريكس»؟ ومن يدور في فلكها الآن؟

على أساس هذا الوزن، تحوّلت مجموعة «بريكس» إلى محطّ اهتمام الكثير من دول العالم التي اندفعت للحصول على عضوية المجموعة. واستناداً إلى درجة القرب من الحصول على هذه العضوية، يمكننا تقسيم الدول التي تدور في فلك «بريكس» إلى ثلاث مستويات:
المستوى الأول: يضمّ الدول الأعضاء الأصليين في «بريكس»، ويشمل: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.
المستوى الثاني: يشمل الدول الأعضاء، مضافاً لها الدول التي تقدمت بشكلٍ رسمي للحصول على عضوية المجموعة، ويبلغ عددها 23 دولة (حتى ساعة كتابة هذه السطور)، وهي الدول المرشحة إما للحصول على عضوية مجموعة «بريكس» وإما «بريكس+»، وذلك تبعاً للآلية التي ستتفق عليها الدول الأعضاء في المجموعة لإشراك دول جديدة.
وتضم هذه الدول: الجزائر، والأرجنتين، وبنغلاديش، والبحرين، وبيلاروسيا، وبوليفيا، وكوبا، وفنزويلا، ومصر، وإيران، والسعودية، والإمارات، وأثيوبيا، وهندوراس، إندونيسيا، وكازاخستان، والكويت، والمغرب، ونيجيريا، وفلسطين، والسنغال، وتايلاند، وتركيا.
المستوى الثالث: يضمّ المستويين الأول والثاني، مضافاً إليهما الدول التي أعلنت رغبتها الانضمام إلى مجموعة «بريكس»، ولكنها لم تتقدّم رسمياً بذلك حتى الآن.
وهي 15 دولة: أرمينيا، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وأذربيجان، وصربيا، وسورية، وفيتنام، والمكسيك، وتونس، والسودان، وأفغانستان، وباكستان، واليونان، والأوروغواي.

1135a

المقارنة استناداً إلى مؤشرات الاقتصاد الأساسية

للإشارة إلى حجم وطبيعة التبدلات التي حدثت في العالم على صعيد الإنتاج العالمي، يمكننا مقارنة المستويات الثلاث المذكورة آنفاً، مع الدول المركزية في العالم الغربي، وبالتحديد مع دول مجموعة «السبع الكبار»، التي تضم: الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، وكندا. وهي المجموعة التي اعتادت أن تحوز حصة الأسد من الاقتصاد العالمي بمؤشراته المختلفة.
سنحدد معايير المقارنة بين الدول التي تدور في فلك «بريكس» ونظيراتها في مجموعة «السبع الكبار» بمجموعةٍ من المؤشرات الأساسية، منها: عدد السكان، والمساحة الإجمالية، والناتج المحلي الإجمالي، ووضع الذهب، واحتياطيات النفط المؤكدة، واحتياطيات الغاز المؤكدة، وإنتاج خام الحديد، والحصة من براءات الاختراع.

1135h

ثلثا سكان العالم وأكثر من نصف مساحته خارج الغرب

إذا قررنا البدء بالمعايير الأكثر ثباتاً، نجد أن عدد سكان دول بريكس - المستوى الأول قد وصل في عام 2023 إلى 3.2 مليار إنسان من أصل 7.8 مليارات (أي حوالي 41.4% من مجموع سكان العالم)، بينما وصل العدد في دول بريكس - المستوى الثاني إلى 4.2 مليار (59%)، أما في بريكس - المستوى الثالث فهو 5.3 مليار إنسان (67.2%). وبالمقارنة، نجد أن عدد السكان في دول مجموعة «السبع الكبار» لم يتجاوز 778 ملايين إنسان، وبنسبة ظلت عند أقل من 10% من مجموع سكان العالم.
من حيث المساحة، حازت دول بريكس - المستوى الأول على حوالي 39.7 مليون كيلو متر مربع (وهو ما يشكل قرابة 26.7% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية)، بينما وصل إجمالي المساحة لدى دول بريكس - المستوى الثاني إلى 60.9 مليون كيلو متر مربع (40.9% من اليابسة)، أما في دول بريكس - المستوى الثالث، فوصلت المساحة الإجمالية إلى 68.3 مليون كيلو متر مربع (45.9%). وبالمقارنة ذاتها، لم تتجاوز المساحة الإجمالية لمجموعة «السبع الكبار» عتبة 21.7 مليون كيلو متر مربع (أقل من 14.7% من مساحة اليابسة).

1135g

الناتج المحلي الإجمالي يكشف طبيعة التراجع الغربي

التعريف البسيط للناتج المحلي الإجمالي (الإسمي) GDP هو أنه ناتج جميع المعاملات الاقتصادية في بلد ما لمدة سنة، وبهذا المعيار، لا تزال تتقدم الدول الغربية على دول بريكس (26% لدول بريكس المستوى الأول، و34% لدول بريكس المستوى الثاني، و37% لدول بريكس المستوى الثالث، مقابل 43% لدول مجموعة السبع). لكن هذا المؤشر مضلل، حيث أنه لا يعكس فعلياً الاختلافات في تكاليف المعيشة ومستويات التضخم في البلدان، لذلك، فالأدق أن نلجأ لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي مع تعادل القوة الشرائية GDP PPP (وهو ما يسمى بالناتج المحلي الإجمالي الحقيقي).
وفقاً لهذا المؤشر، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمجموعة دول بريكس - المستوى الأول 56.0 تريليون دولار (32% من الإجمالي العالمي)، ولدى دول بريكس - المستوى الثاني 79.7 تريليون دولار (45.7%)، أما لدى المستوى الثالث، فوصل إلى 87.7 تريليون دولار (50.3%). وبالمقارنة، لم يتجاوز الرقم في مجموعة دول «السبع الكبار» حاجز 52.2 تريليون دولار (أي 29.9% من الإجمالي العالمي).
لإنعاش ذاكرة القارئ، يجب أن نذكره بأن حصة دول بريكس - المستوى الأول من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي العالمي لم تتكن تتجاوز في عام 1992 نسبة 16.4%، بينما كانت النسبة في «السبع الكبار» 45.8% أي أن حصة الدول الغربية من الإنتاج العالمي انخفضت بحوالي 16% خلال ثلاثة عقود.

1135f

«السبع الكبار» يفقدون لمعانهم الذهبي

تعتبر حيازة الدول لاحتياطيات الذهب واحدة من أهم المؤشرات على الوضع الاقتصادي فيها. وإذا أردنا النظر في احتياطيات الذهب المصرّح عنها والموجودة لدى البنوك المركزية للدول، لوجدنا أن «السبع الكبار» تحوز أكثر من 59% من احتياطيات الذهب العالمية المعلن عنها، في مقابل نسبة ضئيلة لدول بريكس المستوى الأول (19.4%) والمستوى الثاني (27.2%) والمستوى الثالث (29.8).
لكن بالنظر إلى أن عدد كبير من دول بريكس يكتنز الذهب سرّاً ولا يعلن بالضرورة عن الكميات الحقيقية التي يحوزها بسبب طبيعة المواجهة الاقتصادية الجارية ضد الهيمنة الغربية، يغدو الاعتماد على هذا المؤشر ليس ذي جدوى كافية. ولذلك، وربما الأهم، يمكننا النظر في مؤشر آخر وهو تعدين الذهب، الذي يكشف فعلياً عن جانب آخر مرتبط بالذهب، وهو الجانب المرتبط بإنتاجه.
بحسب هذا المؤشر، أنتجت مجموعة دول بريكس - المستوى الأول 937.8 طن ذهب من أصل 3533.7 طن تم إنتاجها في عام 2022 (أي حوالي 26.5%)، بينما أنتجت دول بريكس - المستوى الثاني حوالي 1316 طن (37.2%)، أما المستوى الثالث، فأنتجت 1632.2 طن (46.2%). في مقابل ذلك، لم تنتج دول مجموعة السبع الكبار سوى 383 طن ذهب (أي أقل من 11%).

1135b

القوى الصاعدة تسيطر على عرش الطاقة العالمي

يكتسي مؤشر حيازة احتياطيات النفط والغاز الطبيعي المؤكدة أهمية بالغة دولياً، ليس بسبب تنامي الحاجة إلى مصادر الطاقة في العالم فحسب، بل والأهم من ذلك أن لهذه الحيازات أهمية بالغة في تحديد مستقبل الدولار الأمريكي الذي ظلّ قائماً كعملة تبادل عالمية أساسية بفضل نظام البترودولار الذي سعّر البترول بالدولار الأمريكي، وأي تغيير يطرأ على تبادلات النفط والغاز وآليات تسعيرها له أثر مباشر في دور الدولار عالمياً.
وفي هذا الإطار، تتوضح أهمية التوسع المتوقع أن يطرأ على تركيبة بريكس، حيث تملك دول بريكس - المستوى الأول ما يقارب 123 مليار برميل كاحتياطي مؤكد من النفط (7.4% من المجموع العالمي)، بينما يصل الرقم لدى دول بريكس - المستوى الثاني إلى 1.1 تريليون برميل نفط (71.1%)، أما لدى بريكس - المستوى الثالث، فيصل إلى 1.2 تريليون برميل (73%). والملفت أن دول «السبع الكبار» لا يحوزون سوى 220 مليار برميل (أقل من 13%).
والوضع مماثل إذا أردنا النظر في احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة. حيث لدى دول بريكس - المستوى الأول ما يقارب 56.2 ألف كيلو متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة (27.4% من الإجمالي العالمي)، بينما تملك دول بريكس - المستوى الثاني قرابة 130.1 ألف كيلو متر مكعب (63.3%)، ويصل الرقم لدى بريكس - المستوى الثالث إلى 135.9 ألف كيلو متر مكعب (66.1%). في مقابل ذلك، لا تملك دول مجموعة السبع الكبار سوى 15.5 ألف كيلو متر مكعب (أي أقل من 8% من الإجمالي العالمي).

1135c

بريكس تتقدم في سباق الإنتاج العالمي لخام الحديد

بعيداً عن كونها ترتبط ارتباطاً مباشراً في الإنتاج الحقيقي الذي تحتاجه الدول للنمو المستقر، ترجع أهمية صناعة الحديد والصلب إلى دورها في نمو القطاعات الصناعية الأخرى، ذلك فضلاً عن قدرتها على توفير فرص عمل كثيرة، حيث تؤكد العديد من الدراسات الاقتصادية أن كل فرصة عمل في صناعة الحديد والصلب توفر حوالي 7 فرص للعمل في صناعات أخرى.
وعلى هذا الصعيد، تنتج دول بريكس - المستوى الأول، حوالي 1.21 مليار طن سنوياً (حوالي 48.6% من الإنتاج العالمي)، بينما يصل الإنتاج لدى دول بريكس - المستوى الثاني إلى 1.31 مليار طن (52.7%)، أما لدى دول بريكس - المستوى الثالث، يصل الرقم إلى 1.35 مليار طن (54.1%). بالمقارنة، لا تنتج دول «السبع الكبار» سوى 102 مليون طن (أي ما لا يزيد على 4.1% من الإنتاج العالمي).

1135d

براءات الاختراع: الابتكار ينطلق من قلب الصاعدين

لم تقتصر نجاحات «بريكس» على المجالات التقليدية، بل امتدت إلى مجال الابتكار وبراءات الاختراع. حيث تشهد التقارير الدولية أن «بريكس» قد تفوقت على مجموعة «السبع الكبار» في عدد البراءات المسجلة عالمياً في مجموعة متنوعة من المجالات، مما يعكس تقدماً ملحوظاً في مجال البحث والابتكار.
وبهذا الصدد، أنجزت مجموعة دول بريكس - المستوى الأول 1.397 مليون براءة اختراع سنوياً (وهو ما يفوق 60.6% من المجموع العالمي)، بينما ارتفع الرقم لدى بريكس - المستوى الثاني إلى 1.4 مليون براءة (61.8%)، ولدى المستوى الثالث وصلت النسبة إلى 62%. في مقابل ذلك، لم ينجز العالم الغربي المعبّر عنه بمجموعة «الدول السبع» سوى 578.4 ألف براءة (أي أقل من 25% من المجموع العالمي).

1135e

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1135
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 21:13