الاستعداد لأزمة مالية دولارية بنسخة جديدة
جيم ستانفورد جيم ستانفورد

الاستعداد لأزمة مالية دولارية بنسخة جديدة

من جديد، نرى أنّ البنوك تتمتع بإمكانية الوصول إلى حماية غير محدودة من قبل دولة «حنونة»، بينما يُترك الآخرون ليتدبروا أمورهم بنفسهم. أحد عواقب التضييق غير المسبوق في السياسة النقدية التي فرضتها البنوك المركزية في أغلب الدول الغربية على مدى العام الماضي، هي تزايد الهشاشة في النظام المالي الأوسع. البنوك وشبه البنوك وغيرها من اللاعبين الماليين– والذي انتفعوا بشكل كبير من معدلات الفائدة شبه الصفرية لمدّة 15 عام– تتصارع الآن مع تأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة على استثماراتها وميزانياتها العامة.

ترجمة: قاسيون

أدّى الارتفاع السريع في معدلات الفائدة إلى انخفاض هائل في أسعار السندات، بما في ذلك السندات الحكومية الآمنة. ليس هناك شكّ بأنّ هذه الديون سيتمّ سدادها من قبل الحكومات، فهم المقترضون الأقلّ خطورة في كامل الاقتصاد. لكن كما تمّ تذكيرنا مؤخراً، فقيمة إعادة بيع السندات التي تمّت المضاربة عليها، ليست مستقرة على الإطلاق: ترتفع أسعار إعادة بيع السندات وتنخفض بشكل سريع، تبعاً لتغير التوقعات بين لاعبي السوق حول الاتجاه المستقبلي لمعدلات الفائدة. اكتشفت المؤسسات المالية التي اشترت السندات بوصفها «أساس» آمن للمقرضين الآخرين والنشاطات المضاربية، بأنّه حتّى السندات الحكومية يمكن أن تكون شديدة الخطورة.
كان لهذا الاكتشاف أن يكون ذا صدى أكبر في أيلول من العام الماضي، عندما كادت عدة صناديق معاشات تقاعدية في المملكة المتحدة تنهار، نتيجة انخفاض أسعار السندات وما نتج عنها من خسائر فادحة. تمّ إنقاذ هذه الصناديق في اللحظة الأخيرة من خلال تدخل كبير في السوق من قبل بنك إنكلترا.
لكنّ صدى ذلك كان بالنسبة للقطاع المالي مثل الكناري الذي يغني في منجم فحم. اليوم ومع الركود المتسارع، انهارت خمسة بنوك في أسبوع واحد: أربعة في الولايات المتحدة، وواحد في سويسرا «كريدي سويس أحد أكبر البنوك في العالم». هل يمكن لهذا أن يكون بمثابة مقدمة لأزمة مالية عالمية أخرى، مماثلة لانهيار 2008 و2009؟ يقول جميع القادة الماليين والسياسيين، بنبرة المحاضرين الذين تعلموها خصيصاً لمثل هذه المناسبات: إنّ النظام المالي آمن، وإنّ البنوك مستقرة ولديها رأسمال كافٍ. لكن جميعنا يدرك أنّهم يتقاضون أجورهم ليقولوا ذلك، فهو نسخة عمّا قالوه في وقت مبكر من عام 2008. إنّهم يائسون في محاولة الحفاظ على هدوء الجميع، فسواء أكان ذلك بسبب نوبة القلق، أو بسبب ما بات لدى الناس يشبه النبوءة عن الانهيار المالي، فعدم الهدوء سيؤدي لكسر نظام مبني أساساً على ثقة الناس بأنّه مستقر، أو التسريع في عملية الكسر هذه.
تمّ تعديل التشريعات المتعلقة بحفظ ما يكفي من رأس المال بعد أزمة 2008 – 2009 من خلال إجراءات بازل وقنوات أخرى. ومع ذلك تبقى حقيقة مفادها: أنّ البنوك الخاصة تتمتع بالقدرة على خلق الأموال من فراغ عن طريق إصدار قروض جديدة، والاستفادة من رأس مالها الأولي 30 مرة أو أكثر حتّى. يعني هذا أنّه ليس هناك سوى القليل من الأموال الحقيقية التي تدعم إيداعاتها الضخمة– وبالتالي فإنّ البنوك التي تبدو للعلن هي الأقوى، هي في الحقيقة أكثر تعرضاً للانهيار عندما تتحول موجهات الثقة إلى الاتجاه العكسي.
من المفيد معرفة مدى السرعة التي سارعت بها الحكومات والبنوك المركزية لإنقاذ هذه المؤسسات المتعثرة، عن طريق تغيير قواعد النظام المصرفي بأثر رجعي لحماية المستثمرين وتحقيق الاستقرار في البنوك الأخرى المهتزة.
كمثال: تمّ نقل 1,4 ترليون دولار من أصول كريدي سويس إلى بنك سويسري كبير آخر: يو. بي. اس UBS، وذلك في صفقة بيع مفاجئة هندسها البنك المركزي السويسري والحكومة السويسرية خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة. سيكون على يو. بي. اس أن «يدفع» 4,5 مليار دولار فقط من أسهمه «أي لن يدفع أموالاً فعلية» للسيطرة على البنك الضخم. ستضمن الحكومة السويسرية «بأموال فعلية» قرابة 14 مليار دولار كتعويض عن الخسارات المستقبلية المحتملة لأعمال كريدي سويس. في هذه الأثناء سيضخّ البنك المركزي السويسري 150 مليار دولار كقروض قصيرة الأجل «تُعرف باسم دعم السيولة» لتسهيل الاستيلاء وتهدئة قلق المستثمرين، وذلك إضافة لمبلغ 75 مليار دولار تمّ ضخها «دون جدوى» الأسبوع الماضي في حسابات كريدي سويس.

توجيه وإنقاذ واحتكار

ضمن هذا التحويل، إنّ بنك يو. بي. اس حصل بشكل حقيقي على بنك عملاق آخر بالمجان، وسبب هذه الهِبة هو أنّ يو. بي. اس كان متفرجاً ومستقراً نسبياً، لديه ميزانية عامة وثقة كافيتين لتجاوز موجة الذعر الحالية، أو هذا ما تأمله الحكومة السويسرية على الأقل.
الانهيارات الأربعة للبنوك الأمريكية قد ووجهت أيضاً بإجراءات غير عادية وأحادية، وأثر رجعي من جانب البنك المركزي الأمريكي «الاحتياطي الفدرالي»، والمؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع FDIC، وهيئات عامة أخرى. ضمنت FDIC جميع الودائع لدى بنك سيليكون فالي المنهار، حتّى الودائع التي تجاوزت بحدّ كبير حدّ 250 ألف دولار التي تنطبق على المودعين العاديين. إنّ حقيقة أنّ معظم ودائع بنك سيليكون فالي كانت من مستثمرين أثرياء من الشركات هي السبب في سلوك وقرارات FDIC.
ومثلما حدث في عمليات إنقاذ البنوك في 2008 و2009 التي تركت في البلدان الغربية وغير الغربية إرثاً من التقشف الحكومي الناجم عن سياسة «الأرض المحروقة» التي نجمت عن وضع مسؤولية تسديد الخسائر على المجتمع، فإنّ التناقض اليوم بين الإجراءات السريعة والحازمة التي تتخذها الحكومات لحماية البنوك ورأس المال المالي، والتقشف المفروض على بقية المجتمع، يثير الصدمة. نرى من جديد أنّ المؤسسات المالية تتمتع بإمكانية الوصول إلى دعم وحماية حماية غير محدودة من قبل دولة «حنونة»، بينما يُترك الآخرون ليتدبروا أمورهم بنفسهم. يمنحنا هذا نظرة شديدة الوضوح لاختلال التوازن وتعارض المصالح بين السياسات الاقتصادية المتبعة من جهة، والمجتمع من جهة أخرى.
تأكيداً على ذلك، في غضون أيام من انهيار البنك، جدد البنك الاحتياطي الفدرالي حملته لرفع معدلات الفائدة لإعادة خلق مستويات البطالة «المرغوبة»، وتقويض نمو الأجور، وذلك لمعالجة «كما تدعي النخب» التضخم. رفع الاحتياطي الفدرالي نسبة أسعار الفائدة هذه المرة بـ 0,25٪، وذلك جاء بعد أيام فقط من قيامه بخلق 300 مليار دولار من الأموال الجديدة على شكل مساعدات سيولة طارئة من أجل البنوك. إذا ما نظرنا إلى ذلك في جوهره، سنكتشف أنّ الاحتياطي الفدرالي يحاول أن يبصق ويبتلع ريقه في الوقت ذاته!
من وجهة نظر البنك الاحتياطي الفدرالي، يحدث التضخم بسبب امتلاك العمال «الكثير من المال»، ويجب علاج ذلك من خلال أسعار فائدة أعلى وتقشف نقدي حاد. لكنّ التضخم يتوقف عن كونه مشكلة عندما يحين وقت ضخّ طوفان من الأموال زهيدة الثمن من أجل عيون البنوك والمستثمرين فيها.
جيم ستانفورد: خبير اقتصادي ومدير «مركز عمل المستقبل» في فانكوفر في كندا، والمشرف على سلسلة بودكاست «الشعلة الأمامية» المختص بمناقشة القضايا الاقتصادية العالمية.

بتصرّف عن:
Getting ready for the global financial crisis 2.0

معلومات إضافية

العدد رقم:
1115
آخر تعديل على الإثنين, 27 آذار/مارس 2023 11:30