تقليص الدعم التمويني زادة من اتساع الهوة

كان موضوع الغلاف لمجلة «ابيض وأسود» في عددها رقم (71) تاريخ 8/3/2004 تحت عنوان: «الدعم التمويني يلفظ أنفاسه الأخيرة.. والسياسة الاقتصادية توسع الهوة بين الفقراء والأغنياء».. وفي هذا الإطار التقت المجلة مع الرفيق د. قدري جميل، وفيما يلي نص ما جاء في المقال:

للوقوف على المعنى الاقتصادي الكلي لمسألة الدعم التمويني وعن علاقة هذه المسألة وارتباطاتها الاقتصادية الاجتماعية بمتغيرات الاقتصاد الكلي، التقينا الدكتور قدري جميل ليكمل معنا لغة الأرقام بلغة اقتصادية شاملة، فالدكتور (جميل) يبدأ بطرح التساؤل التالي ألا وهو: من يجب أن يخدم من الدولة يجب أن تخدم المجتمع أم المجتمع يجب أن يخدم الدولة؟ ويجيب عن هذا التساؤل قائلاً: «إن نمط التفكير السائد والممارسة الفعلية لدينا على أرض الواقع تثبت أن المجتمع هو الذي يخدم الدولة في حين أن الدولة هي جهاز مصنوع من قبل المجتمع لأجل تخديمه، وتبعاً لذلك فعندما يدور الحديث عن موارد الدولة يجب أن نعرف بأن هذه الموارد ليست هدفاً بحد ذاته بل هي أداة بيد الحكومة لتخديم المجتمع إلا أن الحكومة دائماً تتحجج بعدم وجود موارد كافية وكأن تحصيل هذه الموارد هو هدف الحكومة النهائي، في حين أن تحصيل الموارد هو الأداة بيد الحكومة لأجل إعادة تخديم المجتمع نفسه، والذي حصل لدينا أن العملية انقلبت رأساً على عقب من دولة تخدم المجتمع إلى مجتمع يخدم الدولة من خلال التعامل مع فكرة الموارد، ومن هذا الكلام نشتق فكرة الدعم، فالدعم الذي كان موجوداً لأغلب السلع كان القصد منه أن يغطي جزءاً من الهوة الموجودة بين الأجور والحد المطلوب من المستوى المعاشي، وبالتالي عندما نريد أن نقلل الدعم أو حتى نفكر بإلغائه فإن منطق الأمور يقضي بالقول بأن تلك الهوة قد رُدمت وأن التفاوت بين مستوى الأجور والمستوى المعاشي قد تقلص، والسؤال المطروح الآن: هل الفجوة بين الأجور والمستوى المعاشي قد نقصت حتى نخفف الدعم أو نزيله؟ الواقع يجيب بالنفي على هذا السؤال، فنحن نلاحظ أنه مع إزالة الدعم عن بعض الموارد ازدادت الهوة اتساعاً بين الأجور والأسعار.»

وفيما إذا كان الدكتور قدري جميل مع مسألة إلغاء الدعم بشكل نهائي وفيما إذا كان هناك إجراءات موازية لها، فإنه يجيب: «أنا مع إلغاء الدعم بشرط إلغاء الهوة التي تحدثت عنها سابقاً، لكن إلغاء هذه الهوة يحتاج لتأمين موارد تغطي الزيادات بالأجور والسياسات المتبعة حتى الآن في الاقتصاد السوري لتأمين هذه الزيادات هي زيادات أسعار وبالتالي ازدادت الهوة عبر هذه السياسة السعرية والأجرية التي زادت الأجر الرسمي وخفضت الأجر الحقيقي، وحل هذه المشكلة بدوره يمر عبر إجراءين اقتصاديين وبالتالي ننتهي من قضية الدعم، الحل الأول هو إعادة النظر بالعلاقة بين الأجور والأرباح على مستوى الاقتصاد الوطني وحسب تقديري فإن هذه العلاقة في الاقتصاد السوري تتراوح مابين 30% أجور و70% أرباح، لكن حدودها الطبيعية يجب أن تكون 40% أجور و60% أرباح كحد أدنى، وبالتالي يجب إعادة توزيع الدخل الوطني لصالح الأجور ومكمن اختلال هذه العلاقة هو عدم وجود موارد معبأة اقتصادياً ناتجة عن عوامل ثلاثة هي: الأول هو حجم التهرب الضريبي الذي يعادل 20% من الدخل الوطني والثاني حجم الإعفاءات الضريبية الكبيرة والثالث عدم العدالة الضريبية بين الدخل المحدود والدخل اللامحدود، وهذا معناه أن التشوه كبير بالبنية الضريبية، وفيما لو أصلح هذا التشوه لتوفرت الموارد اللازمة جزئياً لتأمين زيادة الأجور، أما الحل الثاني الاستراتيجي بعيد المدى فهو تأمين معدل نمو اقتصادي متزايد، لكن هذا النمو لايمكن أن يتم دون توظيفات لم تحصل بالشكل المطلوب، وبالتالي التراكم لم يحدث بسبب الفاقد الكبير بالاقتصاد الوطني الناتج عن تسريب قسم كبير من الدخل الوطني خارج الدورة الاقتصادية للخارج.»

وفي التحليل النهائي يرى الدكتور جميل «أن إلغاء الدعم ممكن من المنطق الشكلي لكن هذا المنطق يجب أن يترافق مع إجراءات رفع مستوى المعيشة وتعبئة الموارد وزيادة معدلات النمو، وعندها نصل إلى مرحلة لسنا بحاجة فيها إلى دعم...

 

وفي النهاية لا يمكن فصل مسألة الدعم التمويني والحديث عنها بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية الأخرى كالأجور والأسعار والضرائب والنمو الاقتصادي وبالتالي فإنه عند إصلاح بنية الأجور وربطها بالمستوى المعاشي وحل مشكلة الأسعار وتصحيح البنية الضريبية وتحقيق معدل نمو اقتصادي حقيقي، كل ذلك سيهيئ الجو الحقيقي الذي من الممكن في ظله الحديث عن إلغاء الدعم التمويني وتوجيه أموال الدعم إلى قطاعات أخرى أما بدون تحقيق ذلك فإن الاستمرار بتقليص الدعم وإلغاء جزء آخر منه معناه ضرائب اجتماعية اقتصادية جديدة وشديدة ستعترض المجتمع والاقتصاد ولن تكون العواقب سليمة عندها.»