سوق العمل السورية..  أبعد من العرض والطلب

سوق العمل السورية.. أبعد من العرض والطلب

كثر الحديث في الأسابيع الماضية عن (سوق العمل) السورية فمن نقابات العمال، إلى جمعية العلوم الاقتصادية، وعموماً يتم التعامل مع سوق العمل على أنها (جانب من جوانب السوق)، بينما موضوعياً الحديث عنها يستدعي جملة المشاكل الكبرى التي ليست اقتصادية فقط، ويضعها كتفسيرات على طاولة الباحثين، فإن تجاهلوها انخفضت قيمة التحليل، وإن أدخلوها وجدوا أن الأمر يتطلب موقفاً واضحاً من الطبقة العاملة في سورية ومن حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. 

تخضع قوة العمل البشري، في سوق العمل، للبيع والشراء، وهذه الظاهرة هي (منتج رأسمالي بحت)، حيث العمال الذين لا يملكون إلا قوة عملهم يحولونها إلى سلعة يعرضونها للبيع في السوق كمصدر لتحصيل الدخل، وهو الأجر، أي ثمن قوة العمل في السوق، وبالتالي: فإن هذه البضاعة تخضع لقانوني العرض والطلب بشكل أساسي.

فما الذي يحدد كم ونوع عرض قوة العمل في سوق ما، ومتى تطلب السوق قوة العمل، ومتى تتركها فائضة عن الحاجة؟

عرض قوة العمل 

قدرة الأسرة السورية على التأهيل..

من جهة العرض على قوة العمل، فإننا نتحدث عن خصائص القوى العاملة السورية من حيث الكم، والنوع، سواء عمرياً أو تعليمياً أو جنسياً. كأن نقول: أنه في سورية من أصل حوالي 13 مليون بين عمر 15-64، فإن القوى العاملة أي طالبي العمل هم 5,8 مليون بنسبة 27% من إجمالي السكان، وهؤلاء كانوا يزدادون بنسبة تقارب 1% سنوياً خلال الفترة بين 2001-2011. أما عن مؤهلاتهم ونوعهم، فيجب استذكار نسبة الأمية، حيث 12% من السكان في سن العمل أميون، وأكثر من نصف المشتغلين في عام 2011 كانوا من حملة الشهادة الابتدائية أو ما دون. وأن نسبة الذكور من المشتغلين هي 88% تقريباً، بينما حوالي 5,6 مليون أنثى بين 15-64 هي خارج قوة العمل.

وعرض قوة العمل، من حيث الكم والنوع، يرتبط تحديداً بإمكانيات الأسرة الاقتصادية بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أقل تأثيراً ومتغيرة عبر الزمن، فالأمر الحاسم هو: هل تملك الأسرة أن تستكمل الإنفاق على سنوات تعليم الأبناء، إن نسبة التسرب تفوق 42% من حملة الشهادة الابتدائية، ما يدل على حجم هذه الإمكانية! فرغم زيادة ملحوظة في نسبة الملتحقين بالتعليم الثانوي وما بعده، إلا أن نسبة التسرب تبقى هامة وملفتة، ففي ظل أن متوسط أجر شهري 11 ألف ليرة في 2010، كان لا بد من إشراك المزيد من أفراد الأسرة في تحصيل الدخل!

ولم تجد الأسر السورية صاحبة الأجور، أو الدخل المحدود حوافز جدية، من الإنفاق العام على التعليم، حيث أن منظومة التعليم العامة السورية، لم تحقق أية نقلات نوعية، منذ أكثر من 40 عاماً، وتحديداً في مجال تحفيز الأسر وإعانتها على استكمال تعليم أبنائها، فلم ينتقل الإنفاق على التعليم نقلات كبرى، تؤمن وجبة غذائية للأطفال، أو لباس مجاني أو حتى تحسن من البنية التحتية للتعليم، ومن أجور المعلمين.. (كانت النقلة النوعية الوحيدة في التعليم العام السوري، هي بتحوله إلى إطار علاقات عامة، للتعليم الخاص الحقيقي في المنازل والقاعات)!

إذاً حصة الأسر من الاستهلاك، وبشكل أدق، حصة أسر أصحاب الأجور الذين يشكلون نسبة تقارب 90% من السوريين في عام 2010، هذه الحصة المنخفضة 25% فقط من الناتج المحلي السوري، هي المحدد الرئيسي للمرحلة العمرية التي تدخل فيها القوى العاملة إلى السوق: في عمر الـ 12 أم 15 أم 20، أم بعد انتهاء التعليم الجامعي في عمر الـ 24 تقريباً؟! وهي التي تحدد بشكل أساسي مؤهلات هذا العامل، أمّي أم متعلم ولأي حد! 

وبناء عليه نستطيع القول أن التوزيع المجحف والمشوه للنمو السوري الضعيف قبل الأزمة، هو المحدد الأساسي لطبيعة القوى العاملة صاحبة الأجر، وبأي أعمار ومؤهلات تعرض نفسها في السوق.. يضاف إليه الحصة الضئيلة والمتآكلة من الهدر والفساد، والمخصصة من المال العام لدعم منظومة التعليم العام، المتقلصة فعلياً، أياً كانت الأرقام التي توضع في الموازنات!

إن كان عرض قوة العمل يجد الإجابة عليه في جانب الاستهلاك من الناتج، وتحديداً في حصة الأجور، فإن الطلب على قوة العمل يتطلب البحث عنه: الانتقال إلى جانب الاستثمار من الناتج، أي كيف يتصرف أصحاب الأرباح بحصتهم العظمى من الناتج..

الطلب على قوة العمل 

قدرة الاقتصاد السوري على الاستثمار

في الطلب على القوى العاملة، ينبغي الحديث عن النشاط الاقتصادي الاستثماري، فمن يطلب قوة العمل هم (المستثمرون) بأنواعهم، أو أرباب العمل، في القطاع العام والخاص بأحجامه.

فحجم الاستثمار السنوي في الاقتصاد الوطني، يعكس حجم توسع فرص العمل، وسورية لم تكن تشهد توسعاً استثمارياً، بل كانت تعوض في كل عام ما تم استهلاكه استثمارياً في العام السابق! حيث كانت الاستثمارات تتوسع بنسبة 11% من الناتج المحلي الإجمالي كنسبة وسطية سنوية خلال الفترة من 2000-2010، بينما النسبة المطلوبة لتعويض الاهتلاك، أي تعويض ما تم استهلاكه من الاستثمارات بين عام وآخر تبلغ 10% سنوياً. 

وطالما أنه ما من توسع في مجالات العمل والاستثمار، مقابل توسع في القوى العاملة، فإن توسع البطالة يصبح أمراً حتمياً، فالعرض أكبر من الطلب.. لذلك ازدادت البطالة من 9,5% في عام 2000، إلى نسبة 12.3% في عام 2010، حيث أصبح واحد من أصل كل 8 سوريين طالبي عمل، لا يجد عملاً.

ولكن إذا لاحظنا فإن توسع القوى العاملة وتوسع الاستثمارات، هما في نسبة منخفضة متقاربة خلال العقد الذي سبق الأزمة، أي بقرابة 1% تقريباً، ما يعني أن للبطالة أسباباً أخرى، أي أن هناك من ينافس قوى العمل السورية، وهذا مصدره أمران: الأول إيجابي والثاني سلبي.

الآلات تزاحم العمال

فأولاً: على الرغم من أن نسبة توسع الاستثمارات في سورية قليلة، إلا أن نسبة التجهيزات والآلات منها كانت نسبة متزايدة، أي أن الآلات تحل نسبياً محل القوى العاملة، حيث ارتفعت حصة الآلات والتجهيزات من مجموع الاستثمار من 38% في عام 2000، إلى 43% في عام 2010، فالقوى العاملة في الصناعة توسعت بنسبة 1,8% خلال عشر سنوات، بينما كان الاستثمار الصناعي يتزايد بمعدل 10% سنوياً.

ولكن مع هذا بقيت مساهمة العامل في الناتج، في الصناعة وفي القطاعات الأساسية التي تدخل فيها الآلات أي التعدين، والبناء والتشييد، هي الأقل بين مجمل القطاعات الاقتصادية الأخرى! أي لم تنجح هذه الآلات في تحسين العائدية.. وهنا يأتي العنصر الآخر الضاغط على القوى العاملة في سورية، وهو العائدية المنخفضة للعمليات الاستثمارية. 

نتائج استثمار (بلا جدوى)..

الاستثمار في سورية كان ضعيف المردود، حيث أن كل 100 ليرة توضع كاستثمار كانت تحقق قيمة مضافة لا تزيد عن 22 ليرة وسطياً في عام 2010، وهو ما يؤدي إلى انتقالات للعمليات الاستثمارية بين القطاعات، نحو القطاع الذي يحقق أفضل عائد، وتحدث تبدلات في حصة القطاعات في الناتج. ولذلك توسع الناتج في العقارات، والخدمات، والتجارة، بينما لم يتوسع في الصناعة والزراعة بالنسب ذاتها. وهذا الوضع المتغير بسرعة، يترك مئات آلاف العمال في (القطاعات المتروكة) للبطالة، وهو ما يفسر أنه مع تراجع النشاط الزراعي أكثر من 16% من سكان الريف السوري خسروا أعمالهم، أي بمعدل 2% سنوياً خلال الفترة بين 2002-2010، وهو ما يزيد عن 190 ألف شخص سنوياً! لتتوسع موجة هجرة سكان الريف إلى أطراف المدن السورية، أو توسع هجرة القوى العاملة السورية للعمل في أسواق العمل المجاورة كما في لبنان والخليج..

إلا أن النقطة المفصلية هنا، هي أن العائد الاستثماري المنخفض، يدفع عملياً أصحاب الأعمال والاستثمارات في القطاعات كافة إلى زيادة عائدهم بطريقة واحدة، وهي زيادة الضغط على الأجور، وتخفيضها وزيادة عدد ساعات العمل، وهو ما يتطلب (تملصهم) من قوانين العمل، وتشغيلهم للعمال الأضعف والأكثر حاجة، كالأطفال والمتسربين من التعليم، وحملة الشهادة الابتدائية، وسكان الريف المهاجرين إلى المدن حديثاً، وتحديداً طالما أن النشاط الاقتصادي لا يتطور إلا في قطاعات ضيقة، وبالعموم يتوسع في الخدمات التجارية والسياحية والعقارية والصناعية في الورش، ومجمل هذه لا تتطلب كفاءات وخبرات عالية ومستوى تعليمياً مرتفعاً.

 وهذا ما يفسر توسع القطاع غير المنظم، أو العمل غير المنظم، الذي تبين أنه يشمل نسبة 89% تقريباً من العاملين في القطاع الخاص، ونسبة 65% من مجمل المشتغلين في سورية عام 2010، بينما كانت تقديرات هذه النسبة في عام 2008 هي: 33%!

فما حاجة القطاع الخاص في الخدمات وحتى الصناعة وغيرها، إلى تنظيم عماله، أو إلى تنظيم أعماله، أو إلى أي علاقة مع جهاز الدولة؟! طالما أن جهاز الدولة لا يلعب دوراً اقتصادياً أو تخطيطياً يستطيع من خلاله أن يمسك بخيوط العملية الاستثمارية وينظمها، فإن القطاع الخاص (لن يحتاجه) ولن يسعى إلى تنظيم أعماله! وسيستمر بحالة التهرب، التي تحقق له زيادة عائده الاقتصادي الضعيف من خلال التسلط على الحلقة العمالية الأضعف، ومن خلال عدم المساهمة في رفد المال العام بحصة من الدخل، أي بالتهرب الضريبي..

فالقائمون على القرار الاقتصادي في سورية، همشوا جهاز الدولة، فلا يستثمر بالطريقة التي ترفع المستوى التكنولوجي، ولا ينفق على التعليم، أو على البحث العلمي، ولا يساهم في تطوير بنية رأس المال الإنتاجية، ولا يضع الخطة التي تكفل توجيه النشاط الاقتصادي نحو القطاعات الأكثر عائدية، ولا يربط دعم الكلف ومستلزمات الإنتاج والطاقة بعملية تنظيم الأعمال، ولاحقاً بدأ يتراجع عن الدعم، ولا يقدم تمويلاً استثمارياً وإقراضاً منخفض التكاليف إلا لأصحاب مشاريع العقارات والسياحة بالدرجة الأولى وإلخ من قائمة المهمات الضرورية التي كان من المفترض أن يقوم بها جهاز الدولة ولم تتم..

سوق الطلب على العمل في سورية لم تكن تتوسع، لأن سورية لم تكن توسع نشاطها الاقتصادي الحقيقي، فأصحاب الأرباح في سوق رأس المال السورية الذين كانوا يحصلون على 75% من الناتج (ومن بينهم ناهبي المال العام في جهاز الدولة) كانوا لا يستخدمون عملياً سوى 11% من هذا الدخل، ليوسعوا العمليات الاستثمارية خلال السنوات العشر الأخيرة قبل الأزمة، وهذا الحد يكفي لتعويض ما استهلك من رأس مال في عام سابق، دون توسع يذكر! 

ويعتبر هذا أهم العناصر التي تقلص من فرص العمل للقوى العاملة السورية، يضاف إلى هذا أن جزءاً من الاستثمار في الآلات يتوسع ويزيح القوى العاملة، وهو الاتجاه الطبيعي لتطور النشاط الاقتصادي، الذي يفترض أن يتطور نوعاً، ولكن يتوسع كماً، وهو ما لم يكن يحصل.

أما العنصر الأخير فهو: تراجع عائدية الاستثمار في الاقتصاد السوري، التي توسع إلى حد كبير من العمل غير المنظم والقطاع غير المنظم، وتجعل المنافسة بين القوى العاملة الشابة وبين الأطفال والمتسربين بل وحتى من هم فوق الـ 65 عاماً الذين تستغل سوق العمل غير المنظمة حاجتهم للدخل!

 

هامش:

*الأرقام من حسابات قاسيون المبنية على مسح القوى العاملة السورية- المكتب المركزي للإحصاء- دراسات جمعية العلوم الاقتصادية في 10-2016:(سوق العمل في سورية الواقع والمقترحات) عصام الشيخ أوغلي، (العمل غير المنظم في سورية) نبيل مرزوق- زكي محشي.