د. سنان علي ديب د. سنان علي ديب

السكن العشوائي.. واقع مرير ومستقبل مجهول.. (1 ـ 2)

تعد ظاهرة السكن العشوائي واحدة من المشكلات الكبيرة والخطيرة والتي ينجم عنها آثار سلبية متعددة، فهي ظاهرة خطيرة متراكمة مهملة، مؤجل النظر بها منذ عقود، على الرغم من الايجابيات والفوائد الكثيرة الناجمة عن معالجتها لصالح المواطن ولصالح الوطن، فمناطق السكن العشوائي أو ما اصطلح على تسميته «مناطق المخالفات الجماعية»، تنتشر في كل محافظات القطر، مثلما تعاني منها معظم الدول في هذا العالم الكبير، ويمكن القول إن هذه الظاهرة عبارة عن آفة تعيق تنمية وتطور المجتمعات لذا يتوجب معالجتها، والقضاء على الأسباب التي أدت إلى ظهورها.

وفي البدء لابد من التعريف بالسكن العشوائي أو اللاقانوني، والذي يدل على كل سكن يبنى مخالفاً لقوانين التنظيم المعمول بها، ويشمل ذلك القوانين العمرانية والصحية والسلامة العامة، وتمثل خطراً على سكانها وعلى المجتمع وتضر بالمصلحة العامة في مستوى مبانيها أو كثافتها أو لظروف التجهيزات الموجودة بها، وغيرها من المعايير الصحية والفنية المناسبة للسكن، فمن ضمن التحديات التي تواجه بلدان العالم النامي والذي هو أحد الحقوق الواجب على الدولة تأمينها للمواطنين اليوم، هو تقديم المسكن للمواطنين بالمعنى الشامل الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يوفره لشاغليه من سبل الراحة والصحة النفسية والاجتماعية، ويتم ذلك وفقاً للعديد من العوامل، في مقدمتها عزله ضد العوامل الطبيعية والأمراض المعدية والكوارث. والتنظيم الجيد يجب أن يتوافق مع الجوانب الاجتماعية لشاغليه، وأن يكون مزوداً بشبكات لمياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وأن يكون مصدراً لراحة الإنسان وملبياً لحاجاته.

 

واقع السكن العشوائي  في سورية

ازدادت وتوسعت مناطق المخالفات (السكن العشوائي) بشكل سرطاني واضح وكبير من حيث العدد والمساحة، لأسباب كثيرة سوف نتطرق لها، حيث تشير الأرقام الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء إلى أن نسبة السكن العشوائي في سورية تصل إلى 50 % من السكن الإجمالي، حيث وصلت نسبة سكان السكن العشوائي إلى 45 % من سكان دمشق و35 % من سكان حلب و42 % من سكان حمص وغيرها من المحافظات، بعد أن شهدت مناطق السكن العشوائي نمواً سريعاً دون أن تخضع لأي نوع من المعايير الفنية والخدمية والصحية‏ بحيث تشير الإحصاءات إلى أنه لدينا في سورية أكثر من 1.2 مليون مسكن عشوائي تفتقر إلى الشوارع الواسعة والحدائق والمشافي والمدارس وبقية الخدمات العامة، كما تفتقر إلى أبسط ملامح الهندسة المعمارية. وقد قامت الكثير من هذه العشوائيات في ظل غياب الدراسات الفنية  وغياب الدراسات الجيولوجية والهندسية، وفي بعض المناطق في ظل مخاطر تتهددها بسبب وقوعها في مناطق معروفة بعدم استقرارها الجيولوجي.‏ فقد كشفت إحدى الدراسات عن وجود منطقة بدمشق بطول عشرة كيلو مترات وعرض 20-30 مترا، تمتد من منطقة مشفى تشرين حتى مزة 86 مروراً بعش الورور وبرزة وركن الدين والشيخ محي الدين والمهاجرين، ويمتد تحت هذه المنطقة ما يسمى بنطاق التكهف تحت سطحي، وهو عبارة عن مغاور وكهوف تشكلت من انحلال طبقات الكلس الغفاري ، حيث شيدت فوق هذه المنطقة الكثير من المباني والبيوت يقطنها مئات الآلاف من السكان، وهم معرضون للخطر في أية لخطة. وقد سبق في أوقات ماضية أن سقطت بعض البيوت في سفح قاسيون نتيجة بنائها فوق كهوف ومغاور‏، فضمن المواصفات الموجودة فإن نسبة غير قليلة من أبنية السكن العشوائي لن تصمد كثيراً حتى تتصدع وتسقط ولن تنتظر وقوع هزات أرضية وهناك أبنية أخرى مهددة بالتصدع وتحتاج إلى تدعيم كي يتم إنقاذها والحؤول دون سقوطها!‏ وقد سبق وحدث سقوط للأبنية السكنية في أماكن مختلفة مثل دف الشوك ومناطق السكن العشوائي في مدينة حلب جراء عدم التقيد بالشروط الفنية عند إشادة هذه الأبنية والتساهل في نسب الحديد والاسمنت التي دخلت في البناء.‏

 

الأسباب المؤدية إلى نشوء وتنامي ظاهرة السكن العشوائي

1 ـ  الارتفاع الكبير للمستوى العام للأسعار بشكل عام، وأسعار البناء بشكل خاص في ظل تناقص القوة الشرائية لمعظم السكان وبالتالي عدم قدرة الغالبية من السكان اقتناء المنزل اللازم للاستقرار وتكوين الأسرة على الرغم من الحاجة الماسة للسكن.

2 ـ التنمية غير المتوازنة بين الريف والمدينة وبين المدن، فكانت هناك مدن كبرى جاذبة للهجرة بين المدن كدمشق وحمص وحلب واللاذقية، بالإضافة للهجرة من الريف إلى المدينة ضمن المحافظة نفسها رغبةً في العمل في الوظائف الحكومية على الرغم من امتلاك الكثيرين للأراضي الزراعية التي أهملت في وقتها.

3 ـ التوسع الكبير في قطاع الخدمات بأشكالها المختلفة، وخاصة في دمشق وحمص وحلب خلال فترة الثمانينات نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي احتاج إلى مئات الآلاف من فرص العمل، والتي اضطرت الحاصلين عليها لتأمين السكن الدائم عن طريق مناطق السكن العشوائي.

4 ـ طبيعة النظرة إلى العمل، بحيث أصبحت الوظيفة الحكومية هي الهدف الأسمى وعدم رضى الكثير من المتعطلين بوظائف قائمة في مناطق سكنهم نتيجة عدم تناسب هذه الوظائف مع طموحاتهم، على الرغم من قبول هذه الوظائف نفسها في محافظات أخرى.

5 ـ الفساد والبعد عن تطبيق القانون، فضعف الرقابة البلدية وفساد الأجهزة المساندة لها قد ساهما بشكل كبير في انتشار الظاهرة وتوسعها.

6 ـ الروتين الصعب المتمثل في صعوبة الحصول على رخصة بناء، بل واستحالتها أحياناً، حتى ولو كانت الشروط القانونية مستوفاة، بالإضافة إلى ضيق التنظيم وشروط ضابطة البناء القاسية التي أبعدت المواطن عن الترخيص.

7 ـ ساهم القطاع غير النظامي ونموه الكبير في تشجيع الهجرة بين الريف والمدينة وبين المدن، وبالتالي ساهم بزيادة كبيرة لهذه الظاهرة.

8 ـ عدم التوسع بالمخططات التنظيمية وقصور التخطيط العمراني، وعدم اتخاذ إجراءات تنظيمية وإدارية تراعي التوسع العمراني.

9 ـ عدم تناسب عدد الأبنية الجديدة مع معدلات النمو السكاني، وبالتالي وجود فجوة بين العرض والطلب.

10 ـ كان هناك مصالح للكثير من متجاوزي القوانين ومقتنصي الفرص في تشجيع هذه الظاهرة، مما ساهم بشكل واضح في انتشار أحزمة من السكن العشوائي المخالف الذي يفتقر إلى أدنى عناصر السلامة والصحة.

11ـ ارتفاع نسبة البطالة في أغلب المناطق، والاستثمار غير الصحيح للإمكانات، وخاصة الزراعية.

12ـ أسهم انخفاض المستوى التعليمي وتفشي الأمية بين أرباب العائلات في مجمعات السكن العشوائي بتوسع هذه المجمعات دون اكتراث للوضع البيئي وآثاره السلبية على العائلة.

13 ـ التغاضي الحكومي المستمر عن معالجة هذه الظاهرة، والتأجيل المستمر لحلها، أدى إلى تفاقمها وصعوبة الحل.

14 ـ غياب المخطط التنظيمي الشامل لكل المدن الرئيسية في القطر، مما جعل المساحات الصالحة للبناء ضمن المدن محدودة جداً، والمخططات التنظيمية ليست فقط رسوماً على ورق، بل يتوجب على الدولة تأمين خدماتها قبل البدء بالبناء من كهرباء وماء وصرف صحي وطرقات وخطوط هاتف وحدائق. وعن طريق إيصال هذه الخدمات يمكن التحكم في أماكن التجمع السكنية وفق ما تقتضيه الظروف والمخططات التنظيمية بشكل صحيح...

15 ـ إصدار مجموعة من القوانين مثل قانون إعمار العرصات ـ التوسع العمراني وتعديلاته ـ قوانين الإيجار الجديدة التي تجعل من المستأجر المالك الحقيقي للبيت.

16 ـ الارتفاع الحاد بأسعار الأراضي بسبب المضاربات العقارية، قد أبعد شريحة من المواطنين الفقراء عن إمكانية حصولهم على قطعة يمكن السكن فيها وبناؤها بالإمكانيات الذاتية.

17 ـ عجز الدولة عن إيجاد سكن لائق لشرائح واسعة من أبناء البلد تتصف بضعف دخلها ومدخراتها والتي تقع على الدولة مسؤولية كبيرة في توفير سكن مناسب ولائق لها.

آخر تعديل على الجمعة, 02 كانون1/ديسمبر 2016 16:54