«زيادة» تعادل كلفة الغذاء الضروري لأسرة في يوم واحد فقط!

«زيادة» تعادل كلفة الغذاء الضروري لأسرة في يوم واحد فقط!

التباين بين مستوى الأجور ومستوى المعيشة في سورية هو مشكلة تمتد لما قبل الأزمة، والتي بانفجارها وبالسياسات الاقتصادية المرافقة، تضاعف هذا التباين لحدود أصبحت فيه مساعي ردم هذه الفجوة تتطلب إرادة أكثر جدية بكثير مما يتم حالياً، فباتساع الفجوة تنكشف الجبهة الداخلية، أي يصبح المجمتع أكثر عرضة للتفكك والغزو الممول بدولارات المشاريع الخارجية، فماذا أعدينا لمواجهة ذلك؟!.

مرسوم الزيادة الأخير الذي جاء بتاريخ 23 أيلول 2015، وجاء فيه: (يضاف إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة النافذة... مبلغ قدره 2500 ليرة سورية ألفان وخمسمئة ليرة سورية فقط)، قد يكون آت في صدد اللحاق بهذه الفجوة، إلا أن المبلغ المضاف لا يشكل أكثر من 2% من هذه الفجوة، فهل يعقل أن تكون هذه الزيادة ممنهجة وفق مهمة ردم الفجوة ومخاطرها الاقتصادية الاجتماعية؟ وما بالنا إذا استتبعت هذه الزيادة بارتفاع أسعار السوق كما العادة، أو بارتفاع أسعار الخدمات الحكومية كما يُشاع؟!


العامل بحاجة إلى ستة أضعاف أجره الحالي

لنجدد حجم المشكلة ينبغي أن نعرف أن وسطي الأجور قبل الزيادة بلغ 24 ألف ليرة (علماً أن الحد الأدنى للأجور يبلغ 17 ألف ليرة)، وسيبلغ 26500 بعدها، وطالما أن الغذاء الضروري لأسرة مكونة من 5 أشخاص بمعيل واحد يتطلب 72 ألف ليرة وفق أسعار شهر أيار 2015 (راجع الصفحة الاقتصادية في قاسيون العدد 705).. وإذا علمنا أن الغذاء يشكل 42% من سلة الاستهلاك، فإن مستوى المعيشة المقيم وفق سلة الاستهلاك يبلغ 172 ألف ليرة بتقديرات الحد الأدنى، أي أن المواطن يحتاج لمضاعفة دخله بمعدل 650% (مضاعفة الدخل ستة مرات ونصف) وليس زيادة بمقدار 10% ! وإن هذا المبلغ المضاف يعادل تقريباً تكلفة الغذاء الضروري لأسرة في يوم واحد فقط من أيام الشهر!


80 دولار الأجر الحالي وفق منطق السوق!

إذا ما اعتمدنا منطق السوق التي تحكم الأسعار والأجور على أرض الواقع، فإن حجم هذه الزيادة يتراوح بين مقارنتها مع الدولار بين 8 إلى 10 دولار فقط، وهو ما يعادل أجر ساعة واحدة في أي من بلدان الدول المتقدمة، والمفارقة أن المسؤولين الرسميين دائماً ما يكررون الأحاديث عن انخفاض إنتاجية العامل السوري، والتي يتناسون أنها مرتبطة مباشرة بمستوى الأجور الهزيل في بلدنا!
وللمفارقة فيما لو احتسبنا وسطي الأجر الحالي البالغ بعد الزيادة 26500 ليرة، مقيماً وفق سعر دولار شركات الصرافة الرسمي البالغ 316 ليرة/$ فإنه يبلغ 84 دولار، و80 دولار وفق سعر السوق السوداء فقط، ومن المعلوم أن عدد ساعات العمل في الشهر يبلغ 160 ساعة عمل، سنجد أن أجر الساعة في سورية يبلغ 0,5 دولار (نصف دولار) فقط، أي أن أجر العامل في الدول المتقدمة البالغ 8-10 دولار في الساعة يزيد عن 16 ضعف على أجر ساعة العامل السوري. وبالتالي لا ينبغي أن يتفاجئ مسؤولونا فيما لو كان معدل العمل اليومي في سورية نصف ساعة فقط وفق ما يدعون كون عدد ساعات العمل التي يتحدث عنها المسؤولون يقابل تماماً مستوى الأجور الذي يمنحونها لهم إذا ما استخدنا معايير القياس ذاتها، وإن كانت فكرة انخفاض إنتاجية العامل السوري وفق ادعاءات الحكومة هي محض أحاديث رسمية لا تقارب الحقيقة مطلقاً.


نحتاج إلى 58 زيادة مثل الأخيرة!

إن الأجر الحالي البالغ 80 دولار تقريباً أو ما يزيد قليلاً في الوقت الذي كان عشية الأزمة حوالي220 دولار. أي أن الأجور انخفضت بمعدل 64%، وهو ما يعني اختفاء ثلثي الراتب فعلياً بالمقابل تضاعفت حاجات الأسرة ست مرات في ظل الأزمة، حيث كان مستوى معيشة الأسرة عند 28 ألف ليرة تقريباً حينها.
كان وسطي الأجور عشية الأزمة حوالي11 ألف ليرة تقريباً بالمقابل كان مستوى المعيشة عندها 28 ألف أي أن زيادة الأجور بمعدل 250 إلى 300% كان كافية لسد هذه الثغرة وهو ماكان يتطلب حينها مضاعفة الأجور ثلاث مرات.
اليوم وبعد الزيادة الأخيرة فإن وسطي الأجور البالغ 26500 ليرة يقابله مستوى معيشة بقيمة 172 ألف ليرة أي أن الأجور الحالية ينبغي مضاعفتها بمعدل 650% (6 مرات ونصف)، وهو ما يتطلب زيادة بمقدار 146 ألف ليرة، أي 58 مرة من الزيادة الحالية تقريباً!


الزيادة الحالية والفائض المتاح في الموازنة

إن الزيادة الحالية خفضت الفجوة بين مستوى الأجور ومستوى المعيشة الحاليين من 148 ألف قبل الزيادة إلى 145,5 ألف، أي أن النجاح الوحيد في هذه الزيادة هوتخفيض الفجوة الهائلة بنسبة 2% فقط، بينما كان التحدي الضاغط على المواطن السوري هو إيجاد زيادة جدية تقنعه في ظل وجود ارتفاعات أسعار متكررة يتناوب عليها السوق والحكومة في رفع أسعار خدماتها المختلفة من كهرباء ونقل ومازوت وخبز الخ الخ...
وفق تصريحات رسمية فقد بلغ عدد عمال القطاع العام حوالي 2,5 مليون عامل رغم أنه ووفق إحصائيات عام 2011 فإن عدد عمال القطاع العام في سورية بلغ 1,36 مليون عامل تقريباً ويبلغ المتقاعدون 550 ألف بين متقاعدين أحياء وورثة رواتب، لكن الحكومة تقول أنها وظفت 400 ألف عامل وفق عقود. بالأحوال كلها، فإن كتلة كامل مبلغ الزيادة اذا اعتمدنا التصريح الرسمي بوجود 2,5 مليون عامل تصل إلى: 6,3 مليار ليرة تقريبا فقط!

فوائض الموازنة أعلى من ذلك!

إن حجم الأرباح من الزيادة الأخيرة في سعر البنزين في آب الماضي وفق أقل السيناريوهات سيبلغ 9 مليار ليرة، ووفق أعلى التقديرات 47 مليار ليرة. ناهيك عن الوفورات المتحققة من تخفيض حجم الدعم عن المازوت، والذي قد ينخفض إلى 43 مليارة ليرة فقط من أصل 338 مليار خصصتها الحكومة لدعم المحروقات كلها في عام 2015 مع احتمالات أخرى بتحقيق أرباح بمقدار 15 مليار ليرة، ويعود التباين إلى عدم توضيح الحكومة لسعر الصرف الذي تستورد وفقه.
وبمقاربة مشابهة فإن حصة موازنة الدولة من أرباح المصارف الخاصة فقط كان يبنغي أن تصل إلى 7 مليار ليرة تقريباً فيما لو أخذت الحكومة ضريبة 14% من أرباح تلك المصارف على اعتبار أنها شركات مساهمة، بينما اكتفت الحكومة بـ 950 مليون ليرة فقط بنسبة 2% فقط على الأرباح البالغة 47,8 مليار ليرة خلال عام 2015. أي أن جباية فعلية للضريبة وهي حق الدولة وحق المواطن من هذا القطاع كانت كفيلة بتغطية الزيادة بكاملها البالغة 6,3 مليار سورية، إلا أن الحكومة تركتها لأصحاب الرساميل الذين يعدون على أصابع اليد، وهناك مبالغ قليلة تضيع على الموازنة العامة بالأسلوب ذاته وهو محاباة رأس المال.
بالأحوال كلها يتبين أن الموازنة الحالية تحمل إمكانيات لزيادة الرواتب أعلى مما تم. كما أن المرسوم يؤكد أن النفقات ستصرف (من وفورات مختلف أقسام وفروع الموازنة العامة للسنة المالية 2015بالنسبة للعاملين الذين يتقاضون رواتبهم وأجورهم من هذه الموازنة)،  أي أنها ستكون من الموازنة العامة لهذا العام مما يثبت فكرة وجود فوائض. وإن فكرة وجود فوائض ينبغي أن يقطع احتمالات كلها عن زيادات في أسعار خدمات الحكومة في هذا العام، والذي يشاع حالياً عكس ذلك تماماً من أحاديث عن رفع سعر الخبز وأسعار الكهرباء.

آخر تعديل على الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2015 12:52