بين التهدئة والتصعيد… سياسة أمريكية ثابتة تجاه إيران!

بين التهدئة والتصعيد… سياسة أمريكية ثابتة تجاه إيران!

بعد مرور 13 يوم من حملة قصف عنيفة متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران بدأت الأنباء تؤكد قراراً أمريكياً بوقف الضربات، لـ «منح الدبلوماسية فرصةً جديداً» كما لو أن سبب فشل كل جولات التفاوض خلال السنوات الماضية لم يكن واضحاً! فالولايات المتحدة كانت مصرّة أن تخرّب كلّ اتفاقٍ أو بوادر اتفاق، بالعودة إلى الخيار العسكري، لكن ذلك لا يلغي ضرورة فهم السبب العميق وراء هذا السلوك النمطي المتكرر.

إن النظر إلى السنوات الماضية ومحاولة فهم النمط المتكرر في السلوك الأمريكي يمكن أن يكون بوابة أساسية لفهم أشمل للسياسة الأمريكية، لا تجاه إيران فحسب، بل تجاه المنطقة والعالم ككل.


جولة تاريخية ضرورية


بعد أن كان التوجّه المعلن عام 2015 هو الوصول إلى اتفاقٍ شاملٍ يعالج المسائل الخلافية بين واشنطن وطهران، والذي تتوَّج بالاتفاق النووي المعروف بـ JCPOA «خطة العمل الشاملة المشتركة»، إلا أن إيران وجدت نفسها في 2018 أمام موقفٍ مختلفٍ كلياً مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئاسة للمرة الأولى، والذي قرر الانسحاب من اتفاق دولي بمخالفةٍ صريحةٍ للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي، وهو ما دفع إيران للتراجع التدريجي عن التزاماتها التي كانت تعهدت بها بعد توقيع الاتفاق النووي، وذلك كشكلٍ من أشكال المعاملة بالمثل، ورداً على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق.
ثم في عام 2020 كانت الولايات المتحدة انتقلت فعلياً إلى مرحلةٍ جديدةٍ، فبدلاً من الاكتفاء بالضغط والعقوبات الاقتصادية، والأعمال الاستخباراتية التخريبية وجدت إيران نفسها بمواجهة عمل عسكريٍ أمريكي مباشر باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس والذي كان يعد واحداً من أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما رفع من سخونة المواجهة، ودفع القوات الإيرانية لتنفيذ هجومٍ على قواعد أمريكية في العراق في فجر 8 كانون الثاني.
بالرغم من أن المواجهة كانت بدأت تأخذ شكلاً عسكرياً مباشراً إلا أن طبيعة الضربات المتبادلة وتحديداً من الجانب الإيراني ظلّت محسوبة وأقرب لتكون ضرباتٍ تحذيرية، قبل أن تبدأ إدارة الرئيس جو بايدن بين 2021 و2024 بمحاولات لإعادة إحياء الاتفاق وبدء مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإيراني، لكنها وكما بات معروف لم تصل إلى أي نتيجة تذكر، وذلك تحديداً بسبب رفض الولايات المتحدة تقديم أي التزامات مكتوبة للجانب الإيراني تضمن عدم الانسحاب مستقبلاً من الاتفاق. إلا أنّ المحاولة تجددت مع عودة ترامب مجدداً للرئاسة وعاد الطرفان إلى طاولة المفاوضات وعقدوا أربع جولات قبل أن تجد طهران نفسها في 13 حزيران 2025 أمام عدوان «إسرائيلي» بمشاركة أمريكية مباشرة أثناء التفاوض، والذي أعقبه أول رد إيراني واسع استهدف «إسرائيل» بشكل مباشر وبشكلٍ غير مسبوق لم يشهده التاريخ الحديث من قبل.

المواجهة الساخنة هذه استمرت 12 يوم، قبل الوصول إلى وقفٍ لإطلاق النار، وعودة للحديث عن مفاوضات جديدة، إلا أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضربتا إيران مجدداً في 28 شباط 2026 وأيضاً أثناء التفاوض، لكن هذه المحاولة الجديدة كانت أعنف وأخطر، وبدأت باستهدافات واسعة في الصفوف الأولى للقيادة السياسية والعسكرية داخل إيران، وتبعها رد إيراني واسع وشامل وغير مسبوق، لم يكتف باستهداف «إسرائيل» بل وسّع الضربات لتشمل كل القواعد الأمريكية في المنطقة في العراق ودول الخليج والأردن، هذا بالإضافة إلى ضربات لمصالح دول الخليج نفسها، التي اتهمتها طهران بأنّها تحوّلت إلى قاعدة تستخدمها واشنطن لاستهداف إيران.
إن الحرب التي بدأت في 28 شباط، لم تكسر أبداً النمط المتكرر القائم «تهدئة - مفاوضات - أعمال عسكرية» لكن المثير للانتباه كان أن الانتقال من طور إلى آخر أصبح أكثر تسارعاً، فبعد أن كان بشكله الباكر مرتبطاً أكثر بإدارة أمريكية تعمل على التهدئة وأخرى تنتقل إلى الأعمال العسكرية، شهدنا الآن أن اسبوعاً واحداً يمكن أن يشهد الأطوار الثلاثة مع بعضها بعضاً!

إن هذا الاستعراض التاريخي يؤكد أن السياسية الأمريكية تجاه إيران هي سياسة واحدة وثابتة تهدف لاحتواء إيران وإنهاء دورها عبر أشكال وطرق مختلفة، ويمكن القول إن هذه السياسية الممتدة على سنوات طويلة، لم تستطع تحقيق الأهداف المطلوبة، فترامب تنقّل خلال الأشهر القليلة الماضية بين أطوار مختلفة وباتت تصريحاته مكررة، ما فرض على أيّ محلل جدّي للأحداث الإقرار بأن إعلان تهدئة أو تصعيد لن يكون المحطة الأخيرة في الصراع! لكن فكرة عدم تحقيق الأهداف الأمريكية-«الإسرائيلية» طوال هذه المدة لا يعني أننا أمام سلسلة متكررة وغير منتهية، فالآجال الزمنية التي يمتلكها كل طرف ليست متساوية، وإن هذا التقلب الذي نشهده بين التهدئة والتصعيد يعني أن القدرة العسكرية لا تسمح بجولات تصعيد أطول وحجم الضغوط لا يسمح بتهدئة شامل وعامة، ما يعني أن غرب آسيا هي ساحة أساسية لتحولات دولية كبرى ومؤثرة، ولذلك يجب أن نتوقع أن يظل هذا النمط قائماً لفترة من الزمن بغض النظر عن الشكل أو الشدة.


السباق مع الوقت


إن الولايات المتحدة و«إسرائيل» يجدون أنفسهم مع كل يوم جديد أمام ضغوط حقيقية، ففي واشنطن هناك جملة من الأزمات المركبة، المرتبطة بالتراجع المستمر في مجالات متعددة، وما يعنيه ذلك من تراجع في قدرات الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الداخلية، ويقرّب موعد انفجارها، إلى جانب مشاكل كبرى تهدد الدولار الأمريكي والصناعات العسكرية الأمريكية التي لم تعد قادرة على تخديم ساحات القتال بالطاقة النارية الضرورية، هذا بالإضافة إلى أن الحرب الأخيرة حطمت جزءاً أساسياً من البنية التحتية العسكرية الأمريكية في المنطقة، وكان من ضمن الخسائر تدمير إيران لـ 19 نظام رادار واتصال في قطر، والأردن، والإمارات، والسعودية، والبحرين، والكويت، والعراق. وتهدد الحرب الحالية مكانة الجيش الأمريكي ودوره في كامل غرب آسيا.

أما بالنسبة لـ «إسرائيل» فهنا يبدو الصراع مع الوقت أعنف وأخطر، إذ إن بقاء «إسرائيل» بات مرهوناً اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، بتحقيق نتائج ملموسة كبيرة ونوعية على الأرض، نتائج يمكن أن تتحول فعلاً إلى رصيد استراتيجي، وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال كان يظهر بوصفه «صاحب الكلمة الأخيرة» لكنّ محللين «إسرائيليين» كانوا مصرّين على أنّ قانون الحرب لا يضمن لك النصر حتى وإنْ ربحت كلَّ المعارك، فيمكن أن تربح الحرب عسكرياً ولكن تفشل في تجيير نتائجها السياسية لصالحك، والأخطر أنّ جولات المواجهة الأخيرة التي خاضها جيش الاحتلال أثبتت أن خسارة المعارك باتت مسألة ممكنة بل ومرجّحة في عدد من المعارك، وهو ما ظهر في غزّة وجنوب لبنان وحتى في مواجهة إيران.
الكيان لم يحقق بعد أيّاً من الأهداف الأساسية وبدأ يدخل في موجة جديدة من الصراع الداخلي مع قرار الكنيست الأخير حلَّ نفسه، ما يعني أن البنية السياسية القائمة ستكون أمام استحقاقات كبرى خلال الأشهر القليلة الماضية، لن يكون من السهل التنبؤ والتحكم بها!

إنّ منطقة غرب آسيا تحديداً وجدت نفسها - وكما هو متوقع دائماً - في قلب التحولات العالمية الكبرى، وإن شكل وتطور الصراع هنا سيكون له أثر كبير جداً على مجمل الملفات الدولية الأخرى، وتحديداً إنّ النتائج الأخيرة ستحسم بشكل عام مسألتين أساسيتين؛ مستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة، ومستقبل الدولار الأمريكي الذي يحدد بدوره مستقبل الولايات المتحدة ودورها العالمي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288