أوراق ما قبل التفاوض: العقوبات والمختبر الأوكراني والامتداد إلى إيران
تمثّل الحرب في أوكرانيا مواجهة بالوكالة بين الناتو وروسيا على الأرض الأوكرانية، ولذلك يبدو حسمها عسكرياً بضربة قاضية مستبعداً من دون حسم أوسع لموازين القوى الدولية. لذلك تسعى أوكرانيا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، إلى العودة إلى المفاوضات بعد تحسين موقعها التفاوضي وجمع مزيد من النقاط. وقد لخّص ترامب هذا المنطق بوضوح في لقائه المهين مع زيلينسكي في البيت الأبيض حين قال له: «أنت لا تملك الأوراق».
من هذا المنظور يمكن قراءة الحزمة الجديدة من العقوبات على روسيا، وتصاعد الاستثمار في التصنيع العسكري داخل أوكرانيا، ومحاولة تحويل خبرتها الميدانية إلى أداة نفوذ تتجاوز أوروبا، باعتبارها مسارات متكاملة تهدف إلى تعزيز موقع الغرب قبل أي عودة جدّية إلى طاولة المفاوضات.
حزمة العقوبات الحادية والعشرين على موسكو
أقر الاتحاد الأوروبي مؤخراً الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات على روسيا، وهي الأكبر منذ أربع سنوات من حيث عدد الكيانات والأفراد المستهدفين. ومع ذلك، أثارت الحزمة جدلاً واسعاً، إذ رأى عدد من المحللين الأوروبيين أنها ربما تحمل وزناً سياسياً ما لكن قدرتها الفعلية على إحداث ضرر اقتصادي محدودة.
شملت العقوبات إدراج 218 كياناً وفرداً، من بينهم شركات ورجال أعمال، وفرض قيود على عشرات البنوك مع فصل عدد منها عن نظام SWIFT. كما استهدفت شركات يُعتقد أنها أُنشئت للالتفاف على العقوبات عبر الصين وتركيا والهند ودول آسيا الوسطى، رغم أن فعالية هذه الخطوة تبقى موضع تساؤل، في ظل غياب أدلة على اعتماد كثير من هذه الشركات على النظام المالي الغربي أصلاً.
أما أبرز بنود الحزمة فتتعلق بتثبيت سقف سعر النفط الروسي عند 44.10 دولاراً للبرميل لمدة اثني عشر شهراً، وتشديد القيود على أسطول الظل الروسي. وبررت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذه الخطوة بأنها تهدف إلى «حرمان آلة الحرب الروسية من الاستفادة من صدمة السوق» التي أعقبت الحرب الصهيوأمريكية على إيران. لكن المفارقة أن النفط الروسي كان يُباع، بحسب وكالة رويترز في الأسبوع نفسه، بنحو 67.50 دولاراً للبرميل.
كما سعى الاتحاد الأوروبي إلى منع الشركات الأوروبية من مواصلة نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي، إلا أن هذا البند اصطدم باعتراضات يونانية، نظراً للدور المحوري الذي تؤديه شركات الشحن اليونانية في سوق نقل الغاز المسال عالمياً، إلى جانب الصين واليابان والولايات المتحدة. وخاصة أن الأمر يبدو شديد النفاق إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أوروبا ما تزال أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال القادم من مشروع يامال الروسي، أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لقطاع الغاز الروسي. فقد استورد الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 9.97 مليون طن من غاز المشروع، بزيادة بلغت 16%مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق إذ اتجه أكثر من 97% من صادرات المشروع إلى الموانئ الأوروبية.
وتبدو العقوبات الأوروبية وكأنها بلغت منذ فترة مرحلة تناقص العائد؛ فكل حزمة جديدة تضيف أثراً أقل على روسيا وأكبر على الاتحاد الأوروبي. فقد تمكنت روسيا، بعد أكثر من أربع سنوات، من إعادة توجيه جزء كبير من اقتصادها نحو أسواق ودول خارج المنظومة الغربية، وعززت علاقاتها مع دول بريكس وعدد من الاقتصادات الصاعدة، مثل تركيا والسعودية وغيرها.
أوكرانيا مختبر سلاح عالمي
ومع تراجع قدرة العقوبات على تغيير مسار الحرب، انتقل مركز الثقل الأوروبي تدريجياً من الرهان على الخنق الاقتصادي إلى الاستثمار في نموذج بزنس عسكري تكون أوكرانيا فيه مركزاً للتصنيع العسكري واختبار الأسلحة. ولا يبدو أن الاتحاد الأوروبي أو نظام زيلنسكي يبدي اهتماماً يُذكَر بمستقبل الشعب الأوكراني. ففي أوكرانيا تُختبَر الطائرات المسيّرة الانتحارية، وطائرات الاستطلاع، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، ووسائل التشويش على المسيّرات، وتُجرَّب خلال أسابيع فقط منظومات كان تطويرُها واختبارُها يحتاج سنوات وبمشاركة ضباط وخبراء من مختلف دول الناتو.
وفي الوقت نفسه، تعمل أوروبا على إعادة صياغة خطابها الداخلي. فبدلاً من تبرير الإنفاق العسكري تحت شعار «نساعد أوكرانيا»، يجري الترويج لفكرة أن «أوكرانيا تساعد أوروبا»، وأن الأموال المستثمرة هناك تذهب إلى جيش يختبر أسلحة المستقبل ويدافع عن الأمن الأوروبي، في محاولة لتخفيف الاعتراضات الشعبية على تنامي الإنفاق العسكري هناك على حساب الخدمات الاجتماعية.
ولم يبقَ هذا التحول محصوراً في الساحة الأوروبية. فبحسب معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أصبحت أوكرانيا أحد أهم «الموارد الإقليمية» في الخبرة العملياتية بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حربهما العدوانية على إيران ولبنان، ولا سيما بعد سنوات من التصدي للطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد» التي استخدمتها روسيا، ثم طورتها وأعادت نقل النسخ المحسنة إلى إيران. ويظهر هذا التداخل أيضاً في استهداف «إسرائيل» ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين آذار الماضي، وهو أحد أهم ممرات نقل الإمدادات بين روسيا وإيران، بالتوازي مع محاولات أوكرانيا تعطيل خط الإمداد نفسه.
ومع اتساع رقعة المواجهة، يسعى الغرب إلى استثمار أي تصدع في غربي آسيا. ومن هذا المنطلق جاءت جولة زيلينسكي في آذار الماضي إلى الإمارات والسعودية وقطر والأردن، حيث عرض على هذه الدول خبرة أوكرانيا الميدانية في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، محاولاً تحويل التجربة العسكرية الأوكرانية من أداة للدفاع إلى سلعة أمنية قابلة للتصدير.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288
د. ديما النجار