«سبتة ومليلية»: المضيق، الدور «الإسرائيلي»، ومركز عمليات ضد الصين/ أوروبا/ أفريقيا!
معتز منصور معتز منصور

«سبتة ومليلية»: المضيق، الدور «الإسرائيلي»، ومركز عمليات ضد الصين/ أوروبا/ أفريقيا!

بعد موجات التدفق الجماعي غير المسبوقة من المغرب نحو جيب سبتة الخاضع للسيطرة الإسبانية، شهدت مدينة مليلية فجر اليوم السبت، 1 آب 2026، محاولات عبور لمئات الأشخاص أيضاً، ليعاد بذلك فتح ملف النزاع على مصراعيه! إذ إنّ ما يحدث على الأسلاك الشائكة ليس مجرد أزمة هجرة عابرة، بل هو أزمة سياسية، تتشابك فيها المصالح المحلية الإسبانية، والمغربية، مع الضغوط الأوروبية، والدور الأمريكي و«الإسرائيلي»، حيث يتحول الملف الإنساني في لحظات إلى ورقة ضغط سياسية واستراتيجية في غاية الحساسية.

ضحايا لعبة الكبار


تتضارب الأنباء حول الأعداد الحقيقية للاجئين، لكن المؤكد أن ما حدث خلال الأيام الماضية يعد من أكبر موجات العبور في التاريخ الحديث. ففي حين تشير تقارير إلى عبور نحو 50 إلى 60 ألف شخص خلال الأيام الماضية (بينهم قرابة 49 ألفاً خلال 24 ساعة فقط)، تحدثت أرقام أخرى عن عودة أكثر من 37 إلى 48 ألف مهاجر طوعاً إلى المغرب.
هذه الأرقام الضخمة تزامنت مع مأساة إنسانية بحتة، حيث ارتفع عدد القتلى أثناء محاولات التسلل إلى 67 شخصاً، سقطوا بين الأسلاك الشائكة بحثاً عن مستقبل أفضل. وقد استغل الكثيرون ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي بشأن حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية مطلع تموز 2026، يقضي بحظر الإعادة الفورية لمن يُعترضون في البحر، وهو ما فُسر على أنه «فرصة ذهبية» للجوء.
لكن الرد الإسباني جاء حاسماً، حيث صرّح وزير الداخلية الإسباني بأن «الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة بطريقة غير نظامية لن يحصلوا أبداً على تسوية قانونية»، بينما تتواصل عمليات التدفق العكسي للمهاجرين العائدين إلى مدينة الفنيدق المغربية.


أزمة «شنغن» على المحك


لم تكن التداعيات محصورة عند الحدود الإسبانية، بل امتدت لتهدد نسيج الاتحاد الأوروبي ذاته. تعرضت إسبانيا لانتقادات لاذعة وتهديدات باستبعادها من قوانين حرية التنقل. وتصدرت إيطاليا المشهد بإعلانها إغلاق الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا وتعليق العمل بنظام «شنغن» مؤقتاً، مدعومة بمواقف فنلندا والدنمارك.
في المقابل، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رد بعض الدول بأنه «أناني»، بينما وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المشاهد القادمة من سبتة بأنها «غير مقبولة»، مؤكدةً أن غالبية من وصلوا بطريقة غير قانونية عادوا إلى المغرب.


الابتزاز المغربي وضغوط اليمين الإسباني والأوروبي


يصعب الاقتناع بأن ما حدث كان عفوياً أو صدفة؛ فتجمّع عشرات الآلاف على الحدود والعبور المتزامن يشير بوضوح إلى وجود توقيت، وإعداد، وتنسيق، وحملات إعلامية سبقت هذه الهجمة. هنا يبرز الابتزاز السياسي المغربي لإسبانيا، بإظهار قدرة الرباط على «إغراق» إسبانيا باللاجئين في أي وقت تشاء، في تجاهلٍ صريح لكون حماية الحدود هي مسؤولية الدولتين معاً، وليست عبئاً يقع على كاهل مدريد وحدها.
داخلياً، تعيش إسبانيا تحت ضغط سياسي هائل من قبل اليمين المتطرف، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة في أيار القادم. تُعتبَر الهجرةُ واللاجئون أحد أهم الملفات التي يتنازع عليها اليسار واليمين في أوروبا. والهدف الأبعد لهذا اليمين هو دفع التناقضات لحدودها القصوى، واستخدام ملف اللاجئين في الدعاية الانتخابية، وصولاً إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وتفكيكه من الداخل.


توقيت مشبوه وأهداف أعمق


التوقيت الحالي لهذه الحملات ليس بريئاً؛ فهو يأتي في فترة تتصاعد فيها تهديدات كل من نتنياهو وترامب لإسبانيا، بالضغط عليها وقطع العلاقات التجارية، بل والتهديد بالطرد من الناتو.
وفي سياق متصل، تصاعدت أصوات في الكونغرس الأمريكي ومؤثرين في السياسة الخارجية، مثل النائب ماريو دياز بالارد، الذين اعتبر أن سبتة ومليلية يجب ألّا تُعتبر أراضي إسبانية بل مغربية. ليس بسبب التاريخ أو الحقوق أو موقف مبدئي من الاستعمار، بل لأن المغرب يقدم نفسه كحليف «موثوق» لإدارة المصالح الغربية في المنطقة، بينما اسبانيا لا تقدم مثل هذه الخدمات للمنظومة الغربية مؤخراً.
وكان من الملفت أن ما أشار إليه الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون من أن «إسرائيل» ترغب في تدمير أوروبا من الداخل، يجد تطبيقه العملي في هذه الأزمة. تدمير أوروبا لن يكون فقط عبر تجريف صناعتها، بل عبر تفجير أزمات الحكم والاستقطاب السياسي بين اليسار واليمين المتطرف. ملف اللاجئين في هذه الحالة هو «الوقود» المثالي لتغذية اليمين المتطرف الأوروبي، ودفعه نحو تفكيك الاتحاد الأوروبي.


اتفاقات أبراهام...وسر تغريدة «ابن نتنياهو»


يبدو أنّ أثر التعاون «الإسرائيلي» المغربي، المرتبط بـ «اتفاقات أبراهام» سيئة الذكر، عاد ليرتد سلباً على أوروبا. إذ تشير التحليلات إلى أن «إسرائيل» تستطيع من خلال النظام المغربي الضغط بقوة على إسبانيا، كعقوبة لها على مواقفها من الإبادة الجماعية في غزة. مؤكدةً أن هذه الاتفاقات لم تكن يوماً للسلام أو التعاون، بل للسيطرة والتآمر وتقويض سيادة الدول، وبالعودة لفترة الإعلان عن الاتفاقات، حينها نشر يائير نتنياهو «ابن رئيس الوزراء [الإسرائيلي] على منصة X» صورة للساحل الشمالي للقارة الأفريقية، مع تركيز على سبتة ومليلية ونقاط أخرى متنازع عليها تاريخياً، وكتب معها رسالة استفزازية «أعزائي المسلمين العرب... إذا أردتم تحرير أراضيكم العربية الإسلامية فهذه نقطة جيدة للبدء». هذه الرسالة، إضافة إلى مقالة في يدعوت أحرنوت في نيسان الماضي (تتحدث حرفياً عن السيناريو الذي جرى قبل أيام)، تشي بأن ارتباط المصالح «الإسرائيلية» بالأنظمة الحاكمة هو مجرد أداة لخلق بوابات ضغط دائمة يمكن فتحها وإغلاقها حسب الحاجة.


أبعد من ذلك!


يصعب تجاهل أن هذه الأزمة جاءت في توقيت تشهد فيه العلاقات بين مدريد وواشنطن وتل أبيب توتراً غير مسبوق، سواء بسبب رفض إسبانيا الانخراط في الحرب على إيران عبر السماح باستخدام قواعدها العسكرية، أو بسبب مواقفها في إدانة الإبادة الجماعية في غزة. وفي هذا السياق، تبدو موجة الهجرة الأخيرة أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى حادثة حدودية عابرة، هدفها رفع كلفة استقلال القرار الإسباني، وإظهار أن الخروج عن إرادة القوى الكبرى ستكون له أثمان سياسية وأمنية واقتصادية باهظة. يضاف إلى ذلك حاجة واشنطن لإعادة التموضع في شمالي أفريقيا بعد موجة الخسائر وخاصة في الساحل الغربي وكذلك وجودها القلق في أوروبا ما يدفع لضرورة البحث عن منطقة تكون مطلقة في ولائها لواشنطن ومشاريعها في المنطقة، وربما الحاجة للسيطرة المباشرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم بشكل مباشر، عبر إقامة قواعد عسكرية في المغرب. وفي حال تمت استعادة السيطرة على سبتة ومليلة مغربياً، بالتعاون مع «إسرائيل» والولايات المتحدة، فإن مضيق جبل طارق سيتحول إلى مضيق أنغلوساكسوني (بريطاني أمريكي) مئة بالمئة، وعبر هذا المضيق تمر 80-90% من تجارة الصين البحرية مع أوروبا، كما أنه مضيق ضروري لأسطول بحر الشمال الروسي في دعم أسطول البحر الأسود... يضاف إلى ذلك أن تجارة الغاز الجزائري مع أوروبا ستصبح تحت العين «الإسرائيلية»، في حال نجح سيناريو السيطرة على المدينتين وعلى المضيق...

انسحاب نشط!
بالمعنى الجيوسياسي الأوسع، فإن الأزمة المتصاعدة في سبتة ومليلية، والأدوار الأمريكية/«الإسرائيلية» الواضحة ضمنها، ورغم خطرها على كل من أوروبا وأفريقيا، والأدوار الروسية والصينية والجزائرية في المتوسط، إلا أنها تعبّر في العمق عن عملية انسحاب نشط تقوم بها «الإمبراطورية» المتراجعة، للبحث عن نقطة ارتكاز جيوسياسية هامة، بعد أن بات واضحاً أن الأفق التاريخي انفتح واسعاً أمام طرد الأمريكيين من الشرق الأوسط ومن غربي آسيا ووسطها بشكل كامل خلال الأعوام القادمة...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289