الولايات المتحدة و«إسرائيل»… بحثٌ شاقٌ عن المخارج!

الولايات المتحدة و«إسرائيل»… بحثٌ شاقٌ عن المخارج!

يشهد ملف المفاوضات الأمريكية-الإيرانية هدوءاً مؤقتاً، وذلك بالتزامن مع مراسم تشييع ودفن المرشد الإيراني السابق علي الخامنئي، لكن هذا التوقف في المفاوضات لا يشمل أبداً التداعيات والتطورات الأخرى، وتحديداً أن الجانب الأمريكي يعمل بشكلٍ مكثف لاستغلال مدة الـ 60 يوماً المتفق عليها بغية تقليل خسائره وإعادة ضبط المشهد للصالح الأمريكي!

انطلقت في العاصمة الإيرانية طهران في 3 تموز الجاري مراسم جنازة الخامنئي، الحدث جرى تأجيله فترة طويلة نظراً لظروف الحرب، لكن المشاهد الخارجة من شوارع إيران تظهر أن هناك قراراً واضحاً بتحويل المناسبة إلى تثبيتٍ جديدٍ للنصر الإيراني، فالحدث يمثل تحدياً أمنياً وتنظيمياً كبيراً بالنسبة لبلد كان يخوض حرباً ضد قوة عظمى لمدة أربعة أشهر! ومع ذلك أعلنت السلطات عن مشاركة حوالي 20 مليون شخص في مراسم تشييع، بالإضافة إلى وصول وفود من دولٍ عديدة للمشاركة الرسمية، كل ذلك أعطى صورة عن إيران مختلفة كلياً عن كل ما حاولت الولايات المتحدة و«إسرائيل» تثبيته خلال الفترة الماضية، بل إن طهران وجدت فرصةً لإيصال رسالةٍ سياسية للدول المشاركة، عبر اختيار آيات قرآنية محمّلة بالكثير من المعاني لتتلى بشكلٍ متزامن مع دخول الوفود، وهو ما ثبّت إيران بوصفها منتصرةً.

إن الحديث عن نصرٍ إيراني في الجولة الأخيرة، لم يعد رواية إيرانية، بل هو في الواقع قناعة راسخة بالنسبة لعدد كبير من المحللين والخبراء وحتى السياسيين، إذ ثبّت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحاتٍ لوسائل إعلامية أمريكية «أنه لا يسعى إلى تغيير النظام الإيراني» في تراجع جديد عن تصريحاته السابقة، التي كانت تهدد بإنهاء الحضارة الإيرانية، وليس فقط إنهاء النظام!
كل هذا يضع على الإدارة الأمريكية الحالية مسؤولية كبيرة في إدارة هذه المرحلة، إذ المطلوب في نهاية المطاف أن تصل الأمور إلى نقطة واضحة ومفهومة للجميع، فإن قدرة الرئيس الأمريكي أو غيره من موظفي الإدارة على التلاعب وخلط الأوراق ليست مضمونة، ففي النهاية يفترض أن يكون هناك اتفاق نهائي لا يمكن إخفاء بنوده، وإن كان ترامب يعمل فعلياً على كسب الوقت وليس جديّاً، بالتوصل إلى اتفاق، فسيجد نفسه في موقعٍ أصعب، وتحديداً إذا ما طلبت منه الإجابة عن السؤال البسيط: كيف يمكن أن تحقق هذه الحرب أهدافها؟!
ما يزيد من تعقيد الموقف الأمريكي هو التصاعد المتسارع في الخلافات مع الجانب «الإسرائيلي» فإن فشل العملية العسكرية الأخيرة يدفع كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر المسؤولية، ويحاول فعلياً تقليل الارتدادات الداخلية عبر الكذب والاتهامات، لكن ضمن هذه الفوضى يظهر أن «إسرائيل» تحاول خلال هذه الفترة الاستثمار في الانقسام الأمريكي، عبر استهداف ممنهج لكل الشخصيات التي تظهر تململاً، أو رفضاً للانخراط الأمريكي في حروب لا تعبّر عن مصالح الأمريكيين.


«إسرائيل» تتهم فانس!


بحسب تقرير نشرته القناة 15 «الإسرائيلية» اتهمت فيه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بتسريب معلومات استخباراتية حساسة إلى الجانب التركي! ويعد هذا الاتهام خطوة تصعيدية كبيرة تجاه فانس، الذي بات يظهر أكثر بوصفه من المعارضين للحرب، ومن الشخصيات التي يعوّل عليها تيار عريض داخل واشنطن وخارجها لأداء دور إيجابي في إنهاء الصراع، لكن هذا التفاؤل بدور فانس يبدو كابوساً بالنسبة لتل أبيب.
التقارير «الإسرائيلية» التي جرى نفيها رسمياً من الجانب الأمريكي، تقول: إن الخطة الاستخباراتية التي وضعت من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد لإسقاط النظام الإيراني كانت تقتضي توجيه ضربات أولية تستهدف القيادات الأساسية في البلاد، ثم تدفع واشنطن ببعض المجموعات المقاتلة الكردية من العراق، تقوم بخلق حالة من عدم الاستقرار الداخلي، إلى أن فانس «بحسب التسريبات [الإسرائيلية]» نقل هذه المعلومة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ساهم في إفشالها نظراً لتخوفه من أي تحركات كردية في المنطقة.

إن هذه التسريبات، وبغض النظر عن صحتها، هي محاولة «إسرائيلية» خطرة، فإن الرئيس الأمريكي سبق أن تحدث عن مخطط مشابه، وقال في حينه: إن الجانب الأمريكي قدّم بالفعل السلاح إلى هذه الجماعات، لكنّها لم تلتزم بالاتفاق! بينما يبدو أن الخطة بحد ذاتها كانت محاولة متأخرة لإدارة الحرب بعد أن تبينّ أنّها لا تسير بالاتجاه المطلوب في واشنطن وتل أبيب، وإن دفع مجموعات كردية في الصراع، هو في الحقيقة مسألة شديدة التعقيد وغير مضمونة النتائج أصلاً، لكن تل أبيب تحاول فعلياً تحميل فانس مسؤولية فشل الحرب في تحقيق أهدافها، بل تحاول اتهامه بالعمالة! ما يعني أننا ندخل في مستوى جديد وغير مسبوق بين «إسرائيل» وممثلي الاتجاه المخالف داخل واشنطن.
عن التحركات الأوروبية
من زاوية أخرى، يبدو أن الولايات المتحدة تعمل حتى اللحظة في محاولة جدية لدفع أطراف أخرى للدخول في المواجهة، أو تحميلهم جزءاً من التبعات، وتجلى ذلك من خلال سلسلة من التحركات العسكرية والدبلوماسية التي نفذتها فرنسا وبريطانيا في منطقة الخليج، إذ أعلن البلدان استعدادهما لنشر بعثة متعددة الجنسيات تهدف بشكلٍ مباشر إلى دعم «حريّة الملاحة في مضيق هرمز»، وفي السياق ذاته أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن بلاده بدأت بالفعل بنشر وسائل متخصصة في إزالة الألغام بالإضافة إلى فرقاطتين وطائرة دورية بحرية.

هذه التحركات دفعت الجانب الإيراني لإطلاق تحذيرات شديدة اللهجة إذ قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي: إن مضيق هرمز «ليس ساحة استعراض عسكري للقوات غير الإقليمية» وأضافت طهران، أن من يحاول إثارة الأزمات في المضيق سيتحمل «تداعيات مغامراته» مؤكدة في الوقت ذاته أنّها هي القوة المسؤولة والضامنة لأمن هذا الممر المائي.
وسعت فرنسا وبريطانيا أن تتم هذه التحركات بتنسيق مع الجانب العُماني، وأن تعمل على تيسير حركة السفن داخل المياه الإقليمية العُمانية، لكن إيران نجحت في دفع 8 سفن للعودة بعد منعها من العبور، وتطرح طهران بالمقابل تنسيقاً ثنائياً بين طهران وعُمان، للوصول إلى ترتيبات جديدة، دون الحاجة فعلياً لأي أدوار خارجية.

الوقت يمر بسرعة، ولا يظهر أن واشنطن قادرة على تحقيق أي تقدّم في أيّ مجال خلال الأسابيع القادمة من المفاوضات، ومع المحاولات الحثيثة التي تقوم بها «إسرائيل» لتقويض الاتفاق أو فتح بؤر اشتعال جديدة، يظهر أن الخيارات محدودة جداً، والعقبات كبيرة، كل لك لا يلغي أن التهديد والخطر لا يزال قائماً، وإن التداعيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية على كل ما جرى ستظهر بشكل أكثف وأوضح خلال الفترة القادمة. 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285