تطورات أوكرانية عديدة قبل قمة الناتو.. إلى أين تتجه الأمور؟
قبل أيام من قمة الناتو في أنقرة، يشهد الملف الأوكراني موجة متسارعة من التطورات العسكرية والسياسية، تمتد من تصعيد غير مسبوق على الجبهة، إلى تحركات دبلوماسية واتصالات دولية، وصولاً إلى تطورات قضائية قد تترك آثاراً سياسية داخل أوروبا نفسها. وبينما تتمسك موسكو بأهدافها، وتحاول كييف الحفاظ على الدعم الغربي، تبدو القمة المقبلة اختباراً ليس فقط لمستقبل الحرب، بل أيضاً لقدرة المعسكر الغربي على الحفاظ على تماسكه وسط خلافاته المتزايدة.
تصعيد ميداني متواصل، وكييف تعترف بصعوبة الوضع
دخلت الحرب في أوكرانيا خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع تكثيف روسيا ضرباتها الجوية على العاصمة كييف، وعدد من المدن الأوكرانية، بالتزامن مع استمرار التقدم الروسي على بعض محاور الجبهة الشرقية. الهجمات الروسية الأخيرة كانت من بين الأعنف منذ أشهر، مستخدمة مئات الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ، واستهدفت العاصمة كييف إلى جانب مناطق سومي، خاركيف، دنيبرو، وزابوريجيا.
في المقابل، لم تعد القيادة الأوكرانية تخفي صعوبة الوضع الميداني، إذ أقرت بوجود معارك قاسية في عدة جبهات، وخاصة حول مدينة كوستيانتينيفكا الاستراتيجية في دونيتسك. واضطرار كييف للاعتراف بتدهور الوضع العسكري، بعد أشهر من الحديث عن قدرة الجيش الأوكراني على استعادة زمام المبادرة، يعكس حجم الضغوط التي تواجهها اليوم.
في سياقٍ متصل، واصلت أوكرانيا هجماتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت نفطية وبنى لوجستية، وهو ما تسبب بالفعل ببعض الاضطرابات ونقص في الوقود داخل بعض المناطق الروسية. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الضربات لم تدفع موسكو إلى التهور كما تأمل بعض العواصم الأوروبية، وإنما فرض ردّ مدروس.
بوتين من خطوط الجبهة...رسائل واضحة
ضمن هذا السياق، جاءت الزيارة النادرة التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أحد مراكز القيادة العسكرية في خطوط الجبهة، لتكون أكثر من مجرد ظهور ميداني، فالزيارة حملت رسائل سياسية وعسكرية واضحة، داخلياً وخارجياً، مفادها أن موسكو لا ترى نفسها في موقع الدفاع، بل تعتبر أنها تحقق تقدماً يسمح لها بالاستمرار في الحرب حتى تحقيق أهدافها.
أعلن بوتين خلال الزيارة، أن القوات الروسية تمكنت منذ بداية العام من السيطرة على عشرات البلدات ومساحات واسعة في دونباس ونوفوروسيا، وأشاد بتحرير مناطق جديدة، مؤكداً، أن العمليات العسكرية ستستمر لتوسيع «المنطقة الأمنية» في خاركيف وسومي، رداً على الهجمات الأوكرانية المتزايدة داخل الأراضي الروسية.
كما أمر بتكثيف الضربات على البنية الصناعية العسكرية الأوكرانية، معتبراً أن استمرار استهدافها يمثل أولوية في المرحلة المقبلة، كما وصف القيادة الأوكرانية بأنها «مزيفة وغير فعالة»، بإشارة إلى أنها ليست صاحبة القرار عملياً.
وقد جاءت هذه الزيارة مباشرة بعد أعنف الضربات الروسية على كييف، وبعد سلسلة من الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي، لتؤكد، أن موسكو لا تتعامل مع التصعيد الأخير باعتباره سبباً لا للتراجع ولا للتهور، بل باعتباره مبرر للتمسك بأهدافها واستمرار نشاطها. وهي أيضاً رسالة إلى الغرب بأن روسيا لا تزال تعتبر أن الخيار العسكري، والوقائع الميدانية ستبقى حاضرة، ما لم يجر التعامل مع الأهداف الروسية جدياً، ضمن أيّ مفاوضات.
اتصال بوتين وترامب، واشنطن لا تزال اللاعب الرئيسي
بعد هذا التصعيد العسكري مباشرة، جاء الاتصال الهاتفي بين بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة تعكس أن الملف الأوكراني لا يزال يُدار بدرجة كبيرة بين موسكو وواشنطن، رغم كل ما يقال عن انتقال القيادة السياسية والعسكرية إلى الأوروبيين.
وخلال الاتصال، أعاد ترامب طرح فكرة العمل على إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية، مؤكداً استعداده لمواصلة الجهود الدبلوماسية عبر مبعوثيه، فيما عرض بوتين رؤيته لسير العمليات العسكرية، مؤكداً، أن القوات الروسية تواصل التقدم، وأن أي حل سياسي يجب أن يأخذ بالاعتبار الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب.
عملياً، تكشف هذه الاتصالات أن الولايات المتحدة رغم خلافاتها المتزايدة مع عدد من العواصم الأوروبية حول إدارة الحرب ومستقبل الناتو، لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في الملف الأوكراني، فواشنطن لا مصلحة لها في خسارة الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة باستمرارها إلى ما لا نهاية، لِما تحمله من استنزاف مالي وعسكري وسياسي، ولذلك تدفع باتجاه تسوية تحفظ موقعها الدولي، وتمنع انهيار المشروع الغربي بالكامل.
إلا أن المشكلة الأساسية تبقى أن أي تسوية لا تراعي المصالح الروسية والأهداف التي أعلنتها موسكو منذ بداية الحرب، لن تكون مقبولة بالنسبة للكرملين. وفي المقابل، فإن النخب الأوروبية الحالية ما زالت ترى في استمرار الحرب وسيلة لاستنزاف روسيا ومنع تثبيت انتصارها. لذلك، تبدو المبادرات التي يطرحها ترامب حتى الآن بعيدة عن إمكانية التحول إلى تسوية فعلية، لأنها تصطدم مباشرة بالتناقضات القائمة بين أهداف موسكو وحسابات أوروبا.
اتهام ألماني لأوكرانيا بتفجير «السيل الشمالي»
سياسياً، برز تطور لا يقل أهمية، مع إعلان الادعاء العام الألماني توجيه اتهامات رسمية لضابط أوكراني سابق بتنفيذ عملية تفجير خطي الغاز «السيل الشمالي 1 و2»، مع التأكيد أن العملية جرت بأوامر من جهات رسمية أوكرانية.
هذه القضية لا تقتصر على بعدها القضائي، بل تحمل دلالات سياسية مهمة، فمن الصعب اعتبار الإعلان عنها مجرد إجراء قانوني معزول، بل يعكس وجود تيار داخل ألمانيا لم يعد راضياً عن طبيعة العلاقة مع أوكرانيا، ويرى أن برلين دفعت أثماناً اقتصادية وسياسية باهظة نتيجة الحرب.
بمعنى آخر، الخلافات الألمانية الأوكرانية ليست وليدة هذا الاتهام، وإنما كانت موجودة منذ فترة، إلا أن تراكم الأزمات والضغوط الداخلية جعلها تظهر إلى العلن بهذا الشكل، ومن المرجح أن يؤدي استمرار هذه القضية إلى تعميق التباينات داخل ألمانيا نفسها، وبينها وبين كييف، خاصة إذا تحولت المحاكمة إلى منصة لكشف تفاصيل إضافية حول عملية التخريب.
كما أن هذه القضية تحمل أثراً كبيراً على الرأي العام الأوروبي، لأن تفجير خطوط السيل الشمالي ارتبط في الوعي الأوروبي ببداية أزمة الطاقة، وارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وهي الأزمة التي دفعت ملايين الأوروبيين إلى تحمل أعباء اقتصادية غير مسبوقة، وبالتالي، فإن ربط العملية بجهات أوكرانية سيمنح خصوم استمرار الدعم لكييف مادة سياسية إضافية، وسيزيد من صعوبة الحفاظ على الإجماع الأوروبي السابق.
قمة الناتو: اختبار لوحدة الغرب أكثر من دعمٍ أوكرانيا
إذا نظرنا إلى كل ما سبق، من التصعيد العسكري الروسي، واعتراف أوكرانيا بصعوبة الوضع الميداني، وزيارة بوتين للجبهة، والاتصال مع ترامب، وصولاً إلى القضية الألمانية-الأوكرانية، نجد أن جميع هذه التطورات تتقاطع بزمانها مع حدث واحد، هو قمة حلف الناتو المرتقبة في أنقرة.
فالقمة ستناقش استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومستقبل العلاقة مع روسيا، لكن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها ستكون اختباراً لقدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه، أكثر من كونها محطة لإطلاق سياسات جديدة.
فخلافاً للخطاب الرسمي الذي يتحدث عن وحدة غربية كاملة، يعيش الناتو اليوم مجموعة من التناقضات المتراكمة: هناك خلافات واضحة بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية حول إدارة الحرب وحجم الإنفاق العسكري، وتباينات متزايدة بين الأوروبيين أنفسهم حول مستقبل الحرب وتكلفتها والعلاقة مع روسيا، إضافة إلى اختلافات استراتيجية بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية في ملفات إقليمية وأمنية متعددة.
وعليه، من المرجح أن تخرج القمة بتأكيدات سياسية كسابقاتها حول استمرار دعم أوكرانيا، وربما بإعلانات مالية وعسكرية جديدة، لكنها لن تكون قادرة على إخفاء حقيقة أن الحلف يواجه مرحلة أكثر هشاشة مما توحي به التصريحات الرسمية، فالحرب في أوكرانيا لم تعد فقط ساحة مواجهة مع روسيا، بل أصبحت أيضاً ساحة تكشف التناقضات داخل المعسكر الغربي نفسه، وهي تناقضات تبدو مرشحة للتوسع كلما طال أمد الحرب، وارتفعت كلفتها على الجميع.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285