المواجهة في شرق آسيا... أبعاد التصعيد بين بكين وطوكيو
حلا الحايك حلا الحايك

المواجهة في شرق آسيا... أبعاد التصعيد بين بكين وطوكيو

شهدت العلاقات الصينية- اليابانية خلال الأسبوع الماضي تصعيداً وتدهوراً لافتاً، وُصف بأنه الأسوأ منذ أكثر من عقد. لم يأت هذا التصعيد بطبيعة الحال وليد الصدفة، إنما جاء كامتداد للتصريحات الاستفزازية الحادة التي أطلقتها رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، أوائل تشرين الثاني من العام الماضي، والتي أكدت فيها استعداد بلادها للانخراط عسكرياً لحماية تايوان.

هذه القناعة اليابانية المستحدثة فجّرت مواجهة شاملة، انتقلت بسرعة قياسية من الميادين الدبلوماسية إلى الميدانين البحري والاقتصادي، لتضع العلاقات بين البلدين الآسيويين في أسوأ مراحلهما منذ عقود.


شرارة المواجهة: عسكرة البحار وحرب سلاسل التوريد


بدأت شرارة التصعيد الأخير عقب الرفض الصيني الحازم للمفاوضات اليابانية-الفلبينية بشكل أحادي في 25 حزيران الماضي لترسيم الحدود البحرية شرق تايوان، والتي رأى فيها المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية «تجاوزاً متعمداً للصين» واصفاً إياها بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعدٍّ جسيمٍ على المصالح البحرية الصينية».
ردت بعدها بكين بضربة اقتصادية موجعة، عبر إدراج كبرى شركات الدفاع والتكنولوجيا اليابانية، مثل: «ميتسوبيشي / Mitsubishi» والمعهد الوطني الياباني لدراسات الدفاع، على القائمة السوداء لمنعها من التزود بالمواد ذات الاستخدام المزدوج «المدني والعسكري». كما وضعت 20 شركة يابانية أخرى تحت المراقبة الشديدة وتدقيق المستخدم النهائي، منها: فروعاً لشركة «فوجيتسو / Fuji Electric» و«هيتاتشي / Hitachi»، و«كوماتسو / Komatsu»، و«ميتسوي / Mitsui E&S».
ورأت وزارة التجارة الصينية، أن اليابان «لم تبدِ أي ندم على سياساتها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك في الطريق الخطأ، عبر تسريع العسكرة ذات الطراز الجديد، والإسراع في نشر الأسلحة الهجومية».
وفي 1 تموز الجاري، تأكدت الأنباء الواردة بشأن قيام السلطات الصينية في مدينة «داليان» باحتجاز واعتقال مواطنين يابانيين رسمياً. حيث تبين أن المعتقلين هما موظفان يابانيان يعملان لصالح شركة فوجي، وتم توجيه تهم رسمية لهما بانتهاك قوانين التجارة الصينية، وتهريب «معادن نادرة» أو صادرات محظورة، بعد أن تم احتجازهما مبدئياً في منتصف ونهاية شهر حزيران.
كما شنت وزارة الخارجية الصينية، في 2 تموز، هجوماً دبلوماسياً لاذعاً ضد رئيسة الوزراء اليابانية، بسبب قيام مسؤولين يابانيين بجولات مكثفة في الفلبين وفيتنام وأستراليا، للترويج للنسخة الجديدة من رؤية «منطقة المحيطين الهادئ والهندي الحرة والمفتوحة». وصفت بكين هذه التحركات بأنها محاولة لبناء «تكتلات صغيرة حصرية» تهدف إلى تطويق الصين.

في الرابع من تموز، احتجت طوكيو عبر القنوات الدبلوماسية بعد رصد سفن خفر السواحل الصينية وهي تبحر بشكل متقطع داخل ما أسمته «المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان» شرق تايوان، وهي منطقة تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من النطاق الخاضع لسيادتها وولايتها القضائية، بناءً على مبدأ «الصين الواحدة»، حيث تُدرج المياه الواقعة شرق تايوان والمناطق المتاخمة لها ضمن حدودها البحرية والقانونية. معتبرة الاحتجاجات اليابانية محاولة لفرض أمر واقع ومرفوض دبلوماسياً.
وفي المقابل، تمسكت طوكيو بموقفها المتصلب رافضة التراجع، إذ صرّح المتحدث باسم الحكومة اليابانية «إن مثل هذه الأنشطة من جانب الصين غير مقبولة تماماً لليابان، وقد قدمنا احتجاجات متكررة عبر القنوات الدبلوماسية»، مؤكداً: أن البلاد تواجه «البيئة الأمنية الأكثر خطورة منذ الحرب العالمية الثانية».


البحث عن جبهة ثانية


في إطار مساعيها لتأمين بدائل جيوسياسية واقتصادية، جاءت زيارة تاكايتشي إلى نيودلهي في القمة السنوية الـ 16 بين 1 و3 تموز لتمثل خطوة عملية لإنشاء محور موازٍ لبكين. ركزت القمة على الأمن التكنولوجي من خلال إقرار «الإعلان المشترك للهند واليابان للتعاون في مجال الأمن الاقتصادي»، والذي نص على ما أسماه «رفض الإكراه الاقتصادي والممارسات غير السوقية والقيود التعسفية على الصادرات لحماية استقرار سلاسل التوريد».
عسكرياً، حققت الزيارة خرقاً استراتيجياً بإطلاق مشروع UNICORN لإنتاج منظومات الرادار البحرية المتقدمة «تزيد من قدرات التخفي للسفن الحربية»، وهو أول برنامج تطوير عسكري مشترك بين البلدين.
وأكد البيان الختامي الصادر عن الوفد الياباني: أهمية الشراكة مع صعود الهند الاقتصادي، مشيراً إلى أن «طوكيو تستعد لحقيقة أن الاقتصاد الهندي في طريقه لتجاوز الناتج الاقتصادي لليابان، مما يتطلب معاملة نيودلهي كشريك مكافئ لبناء آسيا متعددة الأقطاب».
رد بكين جاء على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها، حيث أكد بحزم: أن «التعاون الثنائي يجب ألا يستهدف أي طرف ثالث أو يضر بمصالحه، ولا ينبغي استخدام هذا التعاون كذريعة لتشكيل تكتلات صغيرة حصرية وإذكاء الانقسام».


في النهاية


بقراءة أشمل، يتبين أن التصعيد الحالي يتجاوز الخلافات الثنائية، ليعكس استراتيجية غربية تهدف إلى دفع اليابان لتكون رأس الحربة في مواجهة مباشرة مع الصين، بهدف احتواء صعودها، وتثبيت الهيمنة أحادية القطب في المحيطين الهادئ والهندي.
ومن جهة أخرى، إن طوكيو، التي تعمل على التحلل من دستورها السلمي، باتت تتحرك كوكيل إقليمي لواشنطن. حيث لا تكتفي بتصعيد جبهتها البحرية الشرقية، بل تسعى بوضوح إلى استغلال الصعود الاقتصادي والعسكري للهند، وتحويلها إلى ثقل استراتيجي للتضييق على بكين، وعلى حدودها البرية والبحرية؛ وهو ما قد يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع دولي بالوكالة، تُضحّي فيه القوى الإقليمية باستقرارها الاقتصادي لخدمة المصالح الغربية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285