مظاهرات ألبانيا تتوسع ضد مشاريع كوشنر-الخياط
معتز منصور معتز منصور

مظاهرات ألبانيا تتوسع ضد مشاريع كوشنر-الخياط

بعد أن خرجت آلاف الأصوات في ألبانيا تحت شعار «ألبانيا ليست للبيع»، بدا للكثيرين أن موجة الغضب الشعبي التي انفجرت ضد مشروع كوشنر-الخياط في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيك الساحلية، ستبقى ضمن حدود الاحتجاج البيئي المحلي، غير أن تطورات الأسبوع الفائت دفعت الأزمة إلى مستوى جديد، لتتحول تدريجياً من نزاع حول مشروع سياحي إلى أزمة سياسية مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات الأوروبية والجيوسياسية.

في المقال السابق المنشور في جريدة قاسيون، كان من الممكن النظر إلى التحركات الشعبية باعتبارها رد فعل على مشروع استثماري ضخم يهدد إحدى أهم المحميات الطبيعية في البحر المتوسط، لكن المشهد بات اليوم أكثر تعقيداً، خاصة بعد دخول الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر على خط الأزمة. فبروكسل، التي تنظر إلى ألبانيا باعتبارها دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد، وجّهت تحذيرات إلى حكومة إيدي راما، مؤكدة: أن المضي في المشروع بصيغته الحالية يهدد التزامات تيرانا المتعلقة بالملف البيئي، ولا سيما الفصل السابع والعشرين الخاص بالبيئة والتغير المناخي، وهو أحد الملفات الأساسية في مفاوضات الانضمام. كما دعت المفوضية الأوروبية إلى وقف أي إجراءات يمكن أن تؤثر سلباً على مسار انضمام ألبانيا، وإجراء تقييم بيئي شامل للمشروع، مع مراجعة التعديلات القانونية التي سمحت بفتح المناطق المحمية أمام المستثمرين. ولم تقتصر المخاوف الأوروبية على الجانب البيئي، إذ أشارت بروكسل أيضاً إلى أن المشروع يخضع لتحقيقات من قبل النيابة الخاصة بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، وهو ما يضفي على القضية أبعاداً تتجاوز مجرد حماية الطبيعة.
بالمقابل، واصل رئيس الوزراء إيدي راما الحديث عن «حرب هجينة» تستهدف حكومته وألبانيا، قبل أن يذهب أبعد من ذلك باتهام إيران بالوقوف خلف حملات التضليل، وبتغذية روايات من قبيل توطين الفلسطينيين الغزاويين في ألبانيا. وبالرغم من أن طهران سارعت إلى رفض هذه الاتهامات، فإن استمرار راما في تحميل أطراف خارجية مسؤولية الاحتجاجات، واتهام المعارضين بأنهم أدوات لقوى أجنبية، يعكس حجم القلق الذي باتت تثيره الحركة الاحتجاجية المتصاعدة، ويشير إلى أن الحكومة لم تعد تنظر إلى ما يجري باعتباره خلافاً حول مشروع استثماري، بل باعتباره معركة سياسية مفتوحة.


الاحتجاجات مستمرة وتتوسع


على الأرض، لم تتراجع الاحتجاجات، بل أخذت طابعاً يومياً، واتسعت رقعتها الجغرافية، وازدادت حدتها، وصولاً إلى قيام محتجين بإزالة أجزاء من الأسوار المعدنية المحيطة بالمواقع المخصصة للمشروع، في مشهد يعكس انتقال الحركة من مرحلة الاعتراض الرمزي إلى مرحلة المواجهة المباشرة. كما أضيفت إلى الاعتراضات البيئية قضايا جديدة تتعلق بملكية الأراضي، واتهامات بالاستيلاء غير المشروع على ممتلكات السكان المحليين، وهو ما يهدد بتحويل القضية إلى انفجار اجتماعي وسياسي واسع.
وكلما ازداد إصرار الحكومة على تنفيذ المشروع، واتسعت دائرة الاتهامات التي توجهها إلى المحتجين، أصبحت الشبهات التي يثيرها معارضو المشروع أكثر قابلية للتصديق. فمن الصعب تفسير استعداد حكومة بأكملها للمخاطرة بمسار الانضمام الأوروبي، وتحمل أزمة سياسية متفاقمة، وخوض مواجهة مفتوحة مع قطاعات واسعة من المجتمع، فقط من أجل إقامة منتجع سياحي فاخر. وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد التباينات داخل المعسكر الغربي نفسه. فالعلاقات بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، وكذلك داخل حلف شمال الأطلسي، تشهد منذ سنوات توترات متكررة حول ملفات الأمن والدفاع والاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. وفي ظل هذه البيئة المضطربة، يصبح من الطبيعي أن تنظر أوروبا بعين القلق إلى مشروع «سياحي» ضخم يطل على أحد أهم الممرات البحرية في جنوب القارة، وأن تتعامل معه باعتباره قضية تتعلق بالأمن الاستراتيجي بقدر ما تتعلق بالبيئة. ولذلك، فإن منح شركة أجنبية مرتبطة بشخصيات سياسية أمريكية نافذة موطئ قدم في هذه المنطقة الحساسة، لا يمكن أن يُنظر إليه بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع.


تقاطعات مريبة


لعل ما يزيد من أهمية هذه التساؤلات، أن تجربة مشابهة في صربيا المجاورة. في عام 2024 حصل صندوق «أفينيتي بارتنرز» المملوك لجاريد كوشنر، والمدعوم بعلاقات وثيقة مع الدائرة المحيطة بدونالد ترامب، على موافقة الحكومة الصربية لتنفيذ مشروع استثماري ضخم في العاصمة بلغراد، فوق موقع مبنى هيئة الأركان العامة اليوغوسلافية السابق، الذي دمرته غارات الناتو عام 1999، وهو الموقع الذي يحمل قيمة تاريخية ورمزية كبيرة بالنسبة للصرب.
حينها أيضاً، قُدّم المشروع بوصفه استثماراً سياحياً وعقارياً واعداً، إلا أن المعارضة الصربية رأت فيه تنازلاً عن أحد الرموز الوطنية، واتهمت الحكومة بتقديم «هدية سياسية» لكسب النفوذ الأمريكي. ولم تتوقف الاعتراضات عند حدود الجدل السياسي، بل تطورت إلى احتجاجات شعبية واسعة، وتفجرت فضائح مرتبطة بإلغاء الصفة التراثية للموقع، وفتحت تحقيقات قضائية بحق عدد من المسؤولين، لتنتهي القضية بتعثر المشروع وانسحاب شركة كوشنر من الصفقة.
هذه السابقة، تجعل من الصعب النظر إلى ما يحدث في جزيرة سازان باعتباره مجرد مشروع سياحي آخر، بل تطرح تساؤلات مشروعة حول وجود نمط متكرر في نشاط شركات كوشنر، يقوم على اختيار مواقع تتمتع بحساسية سياسية أو تاريخية أو استراتيجية استثنائية، سواء كانت رمزاً وطنياً في صربيا، أو منطقة تتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في جنوب أوروبا، كما هو الحال في مضيق أوترانتو.
وربما لهذا السبب تحديداً، يصبح السؤال الذي يطرحه المحتجون في ألبانيا سؤالاً مشروعاً إلى حد بعيد: إذا كان الأمر يتعلق بمشروع سياحي فحسب، فلماذا كل هذا الإصرار على تنفيذه مهما بلغت الكلفة السياسية، ولماذا تتكرر محاولات الاستثمار نفسها في مواقع استثنائية تحمل قيمة استراتيجية أو رمزية عالية؟ إن استمرار الحكومة الألبانية في المضي بالمشروع، واتهام المعارضين بأنهم أدوات لقوى خارجية، لا يؤدي إلى إخماد هذه الشكوك، بل يمنحها مزيداً من المصداقية، ويدفع الأزمة تدريجياً للتحول من نزاع بيئي محلي إلى أزمة سياسية وجيوسياسية مفتوحة، قد تتجاوز آثارها حدود ألبانيا نفسها.

كتلة منفصلة


إن نشاط كوشنر في ألبانيا وغيرها من المناطق في دول متعددة يجري بشراكة تتوسع بسرعة بينه وبين عائلة الخياط السورية-القطرية، ويبدو أن حجم الشكوك حول خلفية هذه المشاريع والهدف الخفي منها يزداد، وتحديداً بسبب علاقات هذه الشخصيات بدائرة ترامب، و«إسرائيل»، إن التحركات الاحتجاجية الرافضة لهذه المشاريع المشبوهة هي خطوة ضرورية لإيقافها، وكشف نواياها وكشف شبكات الفساد التي تربط بين هذه الشخصيات والحكومات المتورطة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282