كيف تحوّلت الحرب على إيران إلى محفّز لتغيير النظام العالمي
لم تصل المفاوضات الجارية حول الملف الإيراني إلى أي نتيجة تذكر، وتستمر حتى اللحظة حالة من الغموض، إذ تخرج تصريحات متناقضة ولم يعد مستغرباً أن تنقل وكالات الأنباء أخباراً متضاربة أكثر من مرة في اليوم الواحد. لكن هل هذا الوقت المهدور مجاني؟ من يستفيد منه وبماذا بالتحديد؟
تتمسك واشنطن بإطار عام حول المفاوضات تصرّ من خلاله على ربط الملفات بعضها ببعض، وتظهر ممانعة شديدة بخصوص فصل الملف النووي عن المفاوضات الجارية، بينما تتمسك إيران في المقابل بفصل الملفات وتبدو غير مستعدة لأكثر من تقديم تعهد شفهي بالدخول في مفاوضات لاحقاً. من جانب آخر، تحاول واشنطن أن تستبدل بالمكاسب المباشرة وعوداً لا يمكن الوثوق بها، إذ ظهرت طروحات مثل إنشاء «صندوق استثمار وإعادة إعمار» بقيمة 300 مليار دولار! طهران لا ترى أي ضمانة في وعودٍ كهذه وتطرح رفع العقوبات وتحرير الأصول المجمدة فوراً، ذلك إلى جانب إصرارها على أن أي اتفاق يجب أن يشمل الجبهة اللبنانية، بل هناك تأكيدات أن إيران تصر على وقف إطلاق نار في المنطقة كلّها ومن ضمنها الأراضي المحتلة في فلسطين. وهذا ما أكده البروفيسور محمد ميراندي المقرب من دوائر صنع القرار الإيرانية والعضو في الوفد المفاوض، إذ قال: «لن نقبل بأي اتفاق ما لم يشمل المجتمعات الفلسطينية واللبنانية، وذلك لضمان وقف الإبادة الجماعية في غزّة».
آثار الانتظار...
كان من الواضح خلال شهور الحرب أن التركيز الأكبر لم يكن ينصبُّ على إيران فحسب، بل على كامل المنطقة، فحربٌ كهذه لن تكون محدودة التأثير. وإن كان من البديهي القول إنّ آثارها ستشمل الإقليم كلّه، يظل من الضروري القول إنها بدأت تترك آثاراً أوسع بكثير تمتد إلى العالم كلّه، يظهر منها على السطح تلك ذات الجانب الاقتصادي من زيادة أسعار خامات الطاقة وغيرها من السلع الحيوية.
هل خسارة هذا الوقت والمماطلة من مصلحة الولايات المتحدة؟ الجواب البديهي هو أن ما يجري يضر بمصالحها، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع فرض شروطها، وبالتالي إنْ أرادت الخروج ستكون مضطرة إلى القبول بجزء كبير من شروط إيران وبالتالي ستخسر. بينما في الوقت الحالي تماطل واشنطن وتحاول زيادة الضغط وخلط الأوراق أملاً في أن تحدث انكسارات إما داخل إيران أو من خلال المنطقة المحيطة.
لكنَّ لهذا السؤال جانباً آخر، وهو في إيران، وتحديداً في فهم على ماذا تستند طهران في موقفها هذا؟ وهنا يمكن أن يتشعّب الجواب كثيراً، لكن من الواضح أن إيران ترى أنها لم تخسر المعركة عسكرياً، وأن واشنطن هي من فشلت في تحقيق أهدافها، وهو ما يقود بشكلٍ بديهي إلى موقف تفاوضي قوي. وتدرك طهران أيضاً أن أي تنازل في هذه المرحلة سيكون له تداعيات كبيرة في داخل إيران نفسها، فالخروج بنصر ومكاسب سياسية واقتصادية يمكن أن يعالج مشاكل كبيرة في الداخل، وهذا مسألة ملحَّة وضرورية.
ماذا عن دور إيران الأوسع؟
عملت إيران خلال سنوات على تثبيت نفسها قوةً إقليميةً، وترى اليوم أن هذا المركز بات مضموناً، بل وتعترف به فعلياً كل القوى الإقليمية الأخرى الموجودة في المنطقة. لكن إيران ترى أنها تملك قاعدة اقتصادية كبيرة وحقيقية وقوة عسكرية بالإضافة إلى موقع استراتيجي يجعل منها جسراً حقيقياً بين شرق آسيا وغربها، ويضعها في موقع حاسم بالنسبة لمضيق هرمز الاستراتيجي. ولذلك ترى إيران أن خروجها منتصرةً يعني أنها ستكون صاحبة دور رائد وتأثير على المستوى العالمي. ولذلك يبدو هذا الوقت بالنسبة لإيران وقتاً ثميناً لا ضائعاً، ففي أثناء المفاوضات مع الجانب الأمريكي هناك اتصالات جارية ودون انقطاع مع أطراف أخرى منها الصين وروسيا كقوى دولية، بالإضافة إلى اتصالات مع باكستان وتركيا والسعودية ومصر، لتكون بذلك على سكة واضحة لا ينصب اهتمامها فقط على ما يجري في المفاوضات وما يمكن إحرازه هناك –رغم أهمية ذلك– بل تركز أيضاً على ما الذي يجب فعله في الدائرة الأوسع، وما هي التفاهمات التي يجب أن تنجَز، وكيف يمكن أن تكون خارطة الطريق للمرحلة القادمة.
الصين وروسيا في الخلفية
إن إيران لا تستطيع فعلياً أن تقرر منفردة ما الدور الذي تودُّ تأديته، فالمسألة لا تنحصر بما تملك من مقدرات بل ترتبط أيضاً بقبول اللاعبين الآخرين لهذه الأدوار. ونحن نعلم أن إيران وروسيا والصين عملوا خلال سنوات على تطوير العلاقات فيما بينهم وتحديداً في جانبها الاستراتيجي، وكان من الواضح أن هذا الثلاثي يدرك أهمية ما يمكن أن ينتج من تعاونٍ فيما بينهم، ولذلك عملوا بهدوء طوال سنوات واستطاعوا بالفعل الوصول إلى أرضية مشتركة. ويمكن إدراك ذلك من خلال الانتباه إلى أن معظم الطروحات الإيرانية تبدو مقبولة في بكين وموسكو، بل إن إيران تعمل عسكرياً وسياسياً على فرض الرؤية الروسية والصينية للأمن في منطقة الخليج، لنكون أمام عمل منسق واستراتيجي.
وما يثير الانتباه أيضاً أن شكل المواجهة الحالي وما يمكن أن ينتج عنه بالمعنى العسكري والاقتصادي والسياسي يحتاج أيضاً إلى استعدادات كبيرة، وهو فعلياً ما جرى العمل عليه طوال سنواتٍ ماضية، ويمكن في هذا السياق عرض عددٍ من الأمثلة، مثل قرار الصين بتخزين احتياطيات نفطية كبيرة جداً والتي تظهر اليوم كما لو أنها استعدادٌ مسبق لهذا السيناريو بالتحديد.
إن استعدادات قوى مثل روسيا والصين خلال السنوات الماضية سمحت أيضاً ببناء بنية تزيد من قدرتهم على التعامل مع مخاطر عالية وتقلبات في القطاعات المالية والاقتصادية العالمية. ففي الصين مثلاً أصدرت قانوناً في 2021 باسم «قواعد مكافحة التطبيق غير المبرر للتشريعات الأجنبية خارج الحدود الإقليمية» الذي يمكن من خلاله تطبيق قيود قانونية على الشركات الصينية تمنع بموجبها وبشكل قانوني الامتثال للعقوبات الغربية والأمريكية تحديداً. لكن هذا القانون ظل يُستخدم بشكل تحذيري ولم يُطبّق في سابقة إلّا أثناء الحرب الحالية، حيث أصدرت الصين أوامر تنفيذية واضحة لـخمس شركات تعمل في قطاع النفط تقضي حرفياً بـ«عدم الاعتراف» بالعقوبات، مع التهديد بعقوبات إدارية ومالية داخل الصين لمن يمتثل للقانون الأجنبي! وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن هذا القانون لم يكن بالإمكان تطبيقه قبل سنوات قليلة، وذلك ببساطة لأن الصين وشركاءها لم يكن لديهم أي بديل جدي وموثوق عن الأنظمة المالية الغربية. وبالتالي، إن عدم امتثال الشركات الصينية للعقوبات يعني خطر الحظر على نظام مثل SWIFT، واليوم يظل خطر هذا الحظر قائماً لكن الفرق أن البدائل موجودة وتعمل.
إن الحرب الحالية، ورغم خطورتها، إلا أنها جاءت بعد سنوات من التحضيرات والاستعداد داخل إيران وفي الإقليم ومن قبل القوى الصاعدة في العالم. إن حرباً كهذه تعمل اليوم كمحفز جدي لتغيير وتفكيك القواعد الأمريكية التي حكمت العالم خلال عقودٍ مضت. وإن كانت هذه التغييرات قائمة بالفعل، إلا أنها اليوم تتسارع مدفوعة بنتائج الحرب، فكل الأطراف كانت تنتظر لحظة كهذه وأعدت لها منذ زمن، وهو ما يفسر الهدوء الإيراني والروسي والصيني.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280