تحالف الاستقرار... أبعاد القمة الصينية الباكستانية 2026
تكتسب زيارة رئيس الوزراء الباكستاني إلى الصين في أيار 2026 أهمية استثنائية، ليس فقط كونها تأتي بالتزامن مع الذكرى الـ75 للعلاقات الثنائية الدبلوماسية بين البلدين، بل لأنها تؤسس لنمط تحالف أكثر واقعيةً وتأثيراً. ففي الوقت الذي تحبس فيه المنطقة أنفاسَها ترقباً للتحولات الجيوسياسية، حملت الزيارة إجابة حاسمة حول طبيعة التحالف الصيني الباكستاني. وخلف الأبواب المغلقة، لم يكن رئيس الوزراء الباكستاني يبحث فقط عن صفقات تجارية، بل كان يضع مع القيادة الصينية اللمسات الأخيرة لدور إقليمي جديد لإسلام أباد، حيث خرجت بثقل جديد يتجاوز حدودها الإقليمية ليرسم ملامح دور مشترك مع التنين الصيني.
بالتزامن مع الذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، بدأت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الصين والتي استمرت أربعة أيام أواخر أيار الجاري، بدعوة من نظيره الصيني لي تشيانغ. ولم تكن لقاءات بكين واللقاءات في مقاطعة تشجيانغ مجرد بروتوكول، بل شهدت توقيع صفقات واتفاقات تعاون ضخمة بين شركات البلدين بقيمة 1.22 مليار دولار خلال مؤتمر الأعمال المشترك في مدينة هانغتشو. وجمعت اللقاءات رئيس الوزراء الباكستاني بممثلي عمالقة التكنولوجيا والطاقة الصينية، مثل شركة «شينغ هو نيننغ يوان كي جي» لتكنولوجيا الطاقة، و«سي آي تي إل» المتخصصة ببطاريات السيارات الكهربائية، و«ستار تشارج» لبنية الشحن، ومجموعة «علي بابا» الرائدة، إلى جانب شركة «شيوتشنغ» للصناعات الدوائية.
وكان أحد الأهداف الأساسية للاجتماعات المكثفة قيادة تحول استراتيجي ينقل علاقات البلدين من مشاريع البنية التحتية التقليدية وطاقة الموانئ –التي ركز عليها الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني منذ توقيع مذكرته الأولى في 5 تموز 2013 لربط إقليم شينجيانغ بميناء غوادر– إلى مرحلة التصنيع المشترك والابتكار، وهي النسخة المحدَّثة التي تُعرف بـ«CPEC 2.0». وضمن هذا التوجه، وقّع الجانبان حزمة من وثائق التعاون ومذكرات التفاهم شملت مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والزراعة الذكية الموجهة للتصدير. كما تم الاتفاق رسمياً على خطوتين استراتيجيتين: أُولاهما إنشاء مركز صيني باكستاني مشترك للأبحاث التكنولوجية في جامعة هانغتشو، وثانيهما صياغة اتفاقية تجارة حرة ثنائية محدَّثة لتسهيل حركة البضائع.
من الاقتصاد إلى الدبلوماسية
حظي هذا الحراك الاقتصادي الضخم بغطاء سياسي رفيع صاغته «دبلوماسية رئيس الدولة» بحسب تعبير المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، التي أكدت اتفاق الرئيس الصيني شي جينبينغ وشهباز شريف على تعميق «الشراكة التعاونية الاستراتيجية الصالحة في جميع الأحوال»، موضحة اتفاق الجانبين على «الدفاع المشترك بحزم عن نتائج انتصار الحرب العالمية الثانية وحماية السلام والأمن العالمي والتمسك بالعدالة الدولية». كما شدد الرئيس الصيني خلال اجتماعه بشريف على أنه ينبغي العمل على تسريع بناء «مجتمع مصير مشترك صيني-باكستاني أوثق في العصر الجديد»، وأكد دعم الصين لباكستان في «حماية استقلالها وسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها» واستعدادها للحفاظ على «التبادلات رفيعة المستوى، وتعزيز التواصل الاستراتيجي، وتحديد المسار الصحيح لتنمية العلاقات الثنائية». بدوره، وصف شهباز شريف الرئيس الصيني بـ«صديق عظيم لكل شعوب العالم المحبة للسلام»، مشيداً بالاقتصاد الصيني الذي «حقق إنجازات باهرة حظيت باهتمام عالمي»، كما أكد التزام باكستان بمبدأ صين واحدة ودعم موقف الصين بثبات في جميع القضايا المتعلقة بمصالحها الجوهرية.
الملفات الدولية وهندسة السلام
لم يقتصر التنسيق على النطاق الثنائي، بل امتد ليشمل ملفات دولية ساخنة، حيث أكد شي جينبينغ على وجوب «تنفيذ التعاون الأمني على مستوى أعلى وفي مجالات أوسع للحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين». وحظيت التحركات الباكستانية في الشرق الأوسط بثقة بالغة من بكين، التي أشادت رسمياً بالروح الاستباقية لباكستان وجهودها الدبلوماسية الحثيثة للوساطة من أجل السلام في المنطقة. وبالمقابل، أعربت إسلام أباد عن دعمها الكامل للمقترحات الأربعة التي طرحها الرئيس الصيني بشأن الوضع في الشرق الأوسط والتي رأت فيها «إطاراً توجيهياً للسلام في المنطقة»، وأكد شريف استعداد باكستان «للتنسيق الوثيق مع الصين والإسهام معاً في تعزيز السلام والاستقرار العالميين». وتُرجم هذا التنسيق المشترك سريعاً عقب القمة، إذ قام وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بزيارة إلى واشنطن لإجراء محادثات تتناول أحدث تطورات المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب على إيران.
شراكة مستقرة في جميع الأحوال
تأتي الزيارة امتداداً لمسار تاريخي طويل تسعى من خلاله الدولتان إلى تعزيز شراكتهما الاستراتيجية ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتغيرة، بالنظر إلى العمق التاريخي الذي يميز العلاقات بين البلدين، والتي تعد من أكثر الشراكات استقراراً في آسيا. تنبع الأهمية التاريخية لهذه العلاقة من عدة عوامل، أولها التقارب السياسي المبكر بين البلدين خلال فترة الحرب الباردة، حيث كانت باكستان من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، وهو ما أسهم في بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين. كما شكل اتفاق ترسيم الحدود عام 1963 نقطة مفصلية في مسار هذه العلاقة، إذ نجح الجانبان في حل خلافاتهما الحدودية سلمياً، الأمر الذي عزز التعاون السياسي والأمني بينهما. وبحسب مصادر، فقد وضع هذا الاتفاق الأساس لما أصبح لاحقاً شراكة استراتيجية طويلة الأمد. كما أن العلاقة استندت أيضاً إلى الروابط التاريخية القديمة عبر طريق الحرير والتبادل الثقافي والديني بين المنطقتين. وفي العقود اللاحقة، ازدادت أهمية هذه العلاقات مع تعاون البلدين في الملفات الإقليمية والدولية، إضافة إلى الدور الاقتصادي المتنامي الذي تجسد في «الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني» الذي عزز مكانة باكستان كشريك محوري في مبادرة الحزام والطريق، فيما وفرت الصين دعماً اقتصادياً وتنموياً مهماً لإسلام أباد.
تحالف الاستقرار (كتلة منفصلة)
في المحصلة، تثبت هذه القمة أن علاقة باكستان بالصين ليست مجرد تحالف جوار جغرافي، بل هي محور استراتيجي فاعل في المنطقة. إن حجم التنسيق الرفيع بين بكين وإسلام أباد يعكس حقيقة واضحة: باكستان لم تعد تتحرك كلاعب هامشي، إنما كشريك يمتلك القدرة –بدعم وثقة صينية– على قيادة وساطات دبلوماسية معقدة وضبط التوازنات الإقليمية، مما يجعل هذا التحالف حجر الزاوية الحقيقي لإقرار الاستقرار والتنمية في وجه العواصف الجيوسياسية المحيطة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280
حلا الحايك