انهيار الهيمنة الأمريكية المرتقب والمنظومة الأمنية البديلة في غرب آسيا
منذ أن بدأت الولايات المتحدة و«إسرائيل» العدوان على إيران في 28 شباط الماضي، تشهد المنطقة والعالم حالة من الترقب، لا حول إمكانية تجدد القتال وانهيار الهدنة الهشة فحسب، بل حول طبيعة التغيرات في البنية الجيوسياسية في غرب آسيا والعالم، وتحديداً كون المؤشرات الحالية تؤكد أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» فشلوا في الحد الأدنى بتحقيق ما أرادوه، وقد ينقلب المشهد الحالي لنرى أن إيران هي من تضع شروطاً، تُعيد من خلالها ترتيب المنطقة بتغطية روسية صينية.
دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 8 نيسان الماضي، ولكن المنطقة لم تشهد هدوءاً حقيقياً، بل ما جرى فعلياً لم يكن سوى تخفيض نسبي للتصعيد على واحدة من الجبهات في الخليج، في ظل استمرار المواجهات الساخنة على الجبهة في لبنان، ورغم كل المحاولات الدبلوماسية التي جرت عبر الوساطة الباكستانية إلا أنه لم يكن بالإمكان الوصول إلى اتفاق، فمن جهة ترى طهران نفسها في موقع قوة وتمسك أوراقاً حقيقية ومؤثرة على طاولة المفاوضات، بينما ترى واشنطن أنّها غير قادرة على فرض شروطها عبر «الدبلوماسية القسرية» لكنّها في الوقت ذاته غير
مستعدة لقبول الهزيمة، بل وأيضاً غير مستعدة للبدء بجولة جديدة من المواجهات العسكرية التي قد تظل خياراً مطروحاً لا يجوز استبعاده.
قمّة مجموعة بريكس
ضمن المشهد الملتهب الحالي، عقد وزراء خارجية مجموعة بريكس اجتماعهم في العاصمة الهندية نيودلهي بين 14 و 15 أيار الجاري، وهناك عبّر وزير خارجية الدولة المستضيفة سوبراهمانيام جايشانكار عن أن العلاقات الدولية «تمر بحالة من السيولة والتغيير الكبير» وهذا ما كان واضحاً أصلاً ضمن عمل بريكس، فالمجموعة وبعد توسيع قائمة دولها لم تستطع أن تتجنب مطب ما يجري في منطقة الخليج، واشتعلت مواجهة حامية بين الإمارات العربية المتحدة وإيران بعد «فيتو» إماراتي على مشروع البيان الختامي الذي تقدمت به روسيا، ويركز على أمن الملاحة في مضيق هرمز، إذ اعتبرت أبو ظبي أن البيان هو «إضفاء للشرعية على سيطرة إيران على الممر المائي» واشترطت إدانة ما وصفته بـ «السلوك العدائي الإيراني». ما جعل إمكانية الوصول إلى بيان ختامي موحد مسألة شاقة، وتحديداً بعد أن اتهم وزير الخارجية الإيراني في كلمته الدور المشبوه لبعض الأطراف في المنطقة، والتواطؤ في الحرب ضد إيران، ثم قال بعد الاجتماع بشكلٍ صريح: «حرصاً على وحدة بريكس، لم أَذكر اسم الإمارات في كلمتي، لكنّ الحقيقة هي أنها كانت متورّطة بشكل مباشر في العدوان على بلادي».
هذا الخلاف ورغم جديته لا يدل فعلياً على وجود شرخ داخل بريكس نفسها بقدر ما يشير إلى أن موقف الإمارات ومراهنتها حتى اللحظة على المشروع الأمريكي-«الإسرائيلي» لم يعد يمكن أن ينسجم مع البنية القائمة في بريكس وآسيا عموماً، والتي تظهر نزعة أكبر للاستقلال عن التأثير الأمريكي، وإن كانت الإمارات سعت سابقاً إلى مناورة بهدف التوفيق بين حضورها في كلا المعسكرين، يظهر اليوم أن احتدام المواجهة بين المشروعين لم تعد تسمح «بالجنسيات المزدوجة».
ترامب الحائر يبحث عن مخرج!
بعد أن حاولت إدارة الرئيس الأمريكي تضخيم العديد من الإنجازات العسكرية وتسويقها للرأي العام العالمي والأمريكي، يظهر اليوم أن إيران تحتفظ بنسبة كبيرة من قدراتها العسكرية، فمن أصل 33 قاعدة صواريخ إيرانية على طول الخليج تعمل اليوم 30 قاعدة بشكلٍ نشط، وتحدّث البروفيسور تيد بوستول: أن إيران قادرة على إنتاج 440 جهاز طرد مركزي شهرياً من الجيل السادس، وهو ما يجعل بناء أي منشأة مدمرة مسألة أسابيع فقط، وقدّر بوستول، أن ما تملكه طهران من يورانيوم مخصب يمكن أن يتحول إلى 10 إلى 20 قنبلة نووية، إذا ما استخدمت إيران تقنيات الاندفاع السريع نحو القنبلة. أي إن 14 ألف ضربة تلقتها إيران لم تستطع تحقيق أي شيء ملموس قادر على تدمير القدرات الصاروخية، أو تدمير البرنامج النووي، وتقر صحف أمريكية، أن إيران تملك 75% من قدراتها النارية، بينما علّق وزير الخارجية الإيراني على هذه الأرقام بأنّها غير صحيحة، مشيراً إلى أن قدرات إيران بلغت 120% بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل الحرب!
إذا ما نظرنا أيضاً إلى أن الرئيس الأمريكي لم ينجح في تغيير الواقع القائم في مضيق هرمز، ولا يستطيع في الوقت ذاته أن يقبل بالشروط الإيرانية، لما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات كبيرة على الدور الأمريكي العالمي، فهو بالتالي يفكّر جدياً بإمكانية تجديد القتال، لكنه يصطدم بواقع صعب مرتبط بقدرات الصناعات الأمريكية العسكرية على تأمين الطلب، وربما تكون الأنباء القادمة من داخل «إسرائيل» يوم السبت 16 أيار الجاري، والتي تتحدث عن انفجار ضخم في مصنع تومر مسألة مهمة ومؤثرة في خيار استئناف القتال، فهذه الشركة تعد شركة رائدة في مجال تكنولوجيا دفع الصواريخ والمحركات الصاروخية، ومملوكة من قبل وزارة الحرب «الإسرائيلية» وتقوم بتصنيع صواريخ حيتس المضادة للصواريخ البالستية إلى جانب أنواع أخرى من الصواريخ، ورغم أن هناك تضارباً وشحاً كبيراً بالمعلومات حول ما جرى، إلا أن رصد حجم والانفجار كان ممكناً ولا يمكن إنكاره.
الحصرية الأمريكية تنهار!
كتب لاري جونسون المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية، والمخطط والمستشار السابق في مكتب مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، مقالاً كشف فيه، أنّه اطلع على معلومات استخباراتية حساسة نقلت له عبر مصادر استخباراتية باكستانية، تشير إلى أن السعودية وقطر، تتجهان لاتخاذ قرار استراتيجي بقطع الروابط الأمنية التقليدية مع واشنطن، والانتقال إلى الاحتماء بالمظلة الروسية والصينية، ورغم أن البعض قد يقرأ هذا بنوع من التشكيك والاستغراب، إلا أنّه في الواقع يستند إلى جملة من المؤشرات التي تكاثرت بوضوح خلال المدّة الماضية، وتحديداً بعد أن بدأت باكستان تؤدي دوراً بتنسيق واضح مع بكين، يعمل فعلياً على بناء منظومة إقليمية أمنية جديدة في المنطقة، تعتمد على باكستان والسعودية وتركيا وبتغطية صينية، وتنطلق هذه التوجهات من ضرورة إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، والإقرار بإيران كقوة إقليمية، والانتقال من موقع التنافس معها إلى العمل بشكلٍ جماعي. ويأتي ذلك بعد أن تحوّلت القواعد الأمريكية التي كان من المفترض أن تحمي الخليج إلى «مغناطيس» لتوجيه ضربات للخليج، وتستطيع فعلياً باكستان أن تؤدي عملية الربط هذه بكفاءة، نظراً لكونها تتمتع بعلاقات جيدة مع كل الأطراف، وتملك مظلة نووية ليست موجهة ضد دول الخليج، ويرى مجموعة من الخبراء منهم جونسون، أن الصين تقوم بإعادة رسم مخطط شامل تخرج فيها منقطة الخليج من النفوذ الأمريكي، وتحولها إلى ممر طاقة أوراسي، وجزء من منظومة يجري ترسيخها، مثل: بريكس وشنغهاي، وخصوصاً أن كثيراً من هذه الأُطر لم تعد مجرد مخططات على ورق، بل هي في الواقع قائمة وتعمل وتتوسع، وإن تحقيق الانفكاك عن الهيمنة الأمريكية بات ممكناً سياسياً وتقنياً، مثل: أن دولاً إقليمية، كتركيا والسعودية وإيران، تملك بنية تحتية تقنية لم تكن موجودة قبل سنوات، مثل mBridge «مشروع الجسر متعدد العملات الرقمية للبنوك المركزية» الذي بدأ يتوسع بسرعة، كونه يسمح بإجراء معاملات بنكية مباشرة دون بنوك وسيطة وبتكاليف أقل بـ 50% وسرعة خارقة قد لا تتجاوز بضعة دقائق، منصة mBridge انطلقت منذ 2021 كمفهوم يجري تطويره، لكنها بدأت 2023 تضم شركات وبنوكاً، ووصلت في 2024 إلى مرحلة التشغيل الفعلي الأولي، ثم قفز في أواخر 2025 لينفذ 4000 عملية بقيمة إجمالية تجاوزت 55 مليار دولار، ما يعني تضاعف 2500 مرة عن المرحلة التجريبية.
إن حصة mBridge لا تزال صغيرة كثيراً بالمقارنة مع SWIFT لكنّه لم ينتقل بعد للاستخدام الواسع، ويبدو أن الظرف الآن يسمح بهذا الانتقال، فالمسألة لم تكن تقنية فقط.. بل سياسية أيضاً، وإن نشوء هذه البدائل وتحويلها إلى أدوات قابلة للاستخدام يعني ضربة كبيرة وحقيقية للدولار الأمريكي، وتحديداً كون المهتمين بهذه الأنظمة هم المستهلكين الكبار والمنتجين الكبار في الجنوب العالمي، وهم من يودون اليوم كسر القيد الأمريكي مرة وإلى الأبد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278