بكين وواشنطن في قمة 2026: تنافس محتدم.. وإدارة حذرة لمنع التصادم
حلا الحايك حلا الحايك

بكين وواشنطن في قمة 2026: تنافس محتدم.. وإدارة حذرة لمنع التصادم

شهدت العاصمة الصينية بكين، بين 13 و15 أيار 2026، حدثاً دبلوماسياً بارزاً تمثّل في زيارة الدولة الرسمية التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين؛ وهي الأولى له في ولايته الرئاسية الثانية والأولى لرئيس أمريكي منذ قرابة تسع سنوات. جاءت هذه الزيارة في توقيت دولي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه ملفات التجارة المعقدة، والتوترات الجيوسياسية الحادة في غرب آسيا إثر الحرب على إيران، مع ملف تايوان الشائك، الذي يمثل دائماً الاختبار الحقيقي للعلاقات بين القوتين العظميين.

تضمنت الزيارة التي استمرت لثلاثة أيام تفاصيل بروتوكولية وسياسية مكثفة، حيث عُقدت جلسة مباحثات مغلقة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب في قاعة الشعب الكبرى، تلتها لقاءات موسعة بحضور كبار المسؤولين من الجانبين وعشاء رسمي.
على الصعيد العملي، أسفرت اللقاءات عن تفاهمات مرحلية تهدف إلى ضبط إيقاع التنافس؛ فسياسياً، تم التوافق على إرساء آليات دبلوماسية دورية لتوجيه العلاقات الثنائية، حيث أعرب وزير الخارجية الصيني وانغ يي: أن التوافق السياسي الأكثر أهمية في الاجتماع تمثل باتفاق الرئيسين على اتخاذ رؤية جديدة قائمة على «الاستقرار الاستراتيجي» كمظلة لتوجيه العلاقات بين البلدين خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها.
وفي تفصيله لأبعاد الرؤية الجديدة، أوضح كبير الدبلوماسيين الصينيين، أن مفهوم «الاستقرار الاستراتيجي البناء» يقوم على ركيزتين أساسيتين.

الأولى: تحقيق «استقرار إيجابي قائم على التعاون» يتيح منافسة معتدلة وسليمة، مع الرفض القاطع لألعاب المحصلة الصفرية التي يربح فيها طرف على حساب الآخر.

الثانية: كونه استقراراً دائماً مع «خلافات من الممكن إدارتها» يُحصّن العلاقات ضد التقلبات الحادة، ومصحوباً بوعود واضحة ومتبادلة بصون السلام، مؤكداً بحسم أنه لا ينبغي للطرفين تحت أي ظرف السماح بالانزلاق نحو الصراع، أو المواجهة العسكرية المباشرة. بدوره، أكد ترامب أن الولايات المتحدة والصين تربطهما علاقة «جيدة جداً» وأنه عمل مع نظيره على «حل العديد من القضايا المهمة». كما وجه إليه دعوة للقيام بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة في خريف 2026.

اقتصادياً: جرى تأسيس مجالس مشتركة للتجارة والاستثمار، وأكد رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ أن «الاقتصاد الصيني الذي ينمو بثبات سيوفر المزيد من الفرص للشركات من جميع الدول، بما في ذلك الشركات الأمريكية».
من جانبهم، قال ممثلو مجتمع الأعمال الأمريكي: إن الاجتماع الناجح بين رئيسي البلدين ضخ زخماً جديداً في التعاون الاقتصادي والتجاري الثنائي، ووفر حالة من اليقين للاقتصاد العالمي.

عسكرياً وأمنياً: تم التوافق على تعزيز قنوات الاتصال العسكري المباشر لمنع الحوادث في بحر الصين الجنوبي، مع التأكيد على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وتؤمن بكين بأن الحل الجذري للقضايا المتعلقة بالمضيق يكمن في تحقيق وقف إطلاق نار دائم وشامل.


«فخ ثوسيديدس»


مع ذلك، إن بُعداً أعمق للزيارة تجسد في إثارة الرئيس الصيني ضجة عالمية باستحضاره مصطلح «فخ ثوسيديدس» أمام ترامب، هذا المفهوم التاريخي الذي يفسر حتمية الحرب عندما يثير صعود قوة جديدة ذعر القوة المهيمنة القائمة. تحول في هذه القمة من نقاش أكاديمي إلى تحذير استراتيجي مباشر. ففي ظل تصاعد حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين على الصعيد العالمي والحروب وأزمة الرقائق الإلكترونية، وظفت بكين الفكر التاريخي الغربي ذاته لتبعث برسالة عميقة مفادها: أن واشنطن تعيش قلق «إسبرطة الجديدة» الخائفة من فقدان ريادتها الكونية. ولم يعد الصراع هنا مجرد نزاع تجاري، بل تحول إلى صدام بنيوي على إعادة توزيع القوة، وإعادة تشكيل موقع البلدين في التاريخ، في محاولة صينية ذكية لتقديم «الاستقرار الاستراتيجي» كمخرج يضمن التعايش ويتجنب حتمية الصدام المسلح.


ملف تايوان، الخط الأحمر


ظلّ ملف تايوان الشائك بؤرة التوتر الأكثر سخونة، خاصة مع صفقات التسليح للجزيرة. حيث أبدى الجانب الصيني حزماً مطلقاً في حماية سيادته، إذ أكد بيان وزارة الخارجية الصينية عقب اللقاء: أن قضية تايوان تمثل العقبة الأبرز والخط الأحمر الأول الذي لا يمكن تجاوزه في العلاقات الثنائية. وشدد الرئيس “شي” أن قضية تايوان هي الأهم في علاقات الصين والولايات المتحدة، وحماية السلام والاستقرار عبر المضيق هو أكبر قاسم مشترك بين البلدين. ويجب على الجانب الأمريكي أن يتوخى الحذر الشديد عند التعامل مع قضية تايوان.
وفي المقابل، بدا لافتاً تراجع نبرة التصعيد التقليدية للرئيس الأمريكي ترامب، إذ ركزت تصريحاته على التهدئة السياسية لضمان تمرير التفاهمات الاقتصادية، معبراً عن رغبته في احتواء الأزمة والتعاون مع نظيره الصيني «لتعزيز التواصل والتعاون، والتعامل السليم مع الخلافات، لجعل العلاقات الثنائية أفضل من أي وقت مضى واحتضان مستقبل رائع». كذلك أعرب كبير الدبلوماسيين الصينيين في تقييمه لنتائج المباحثات، أن بكين لمست تفهماً أمريكياً أعمق لمخاوفها الجوهرية، مؤكداً أن واشنطن والمجتمع الدولي لا يدعمون توجه تايوان نحو الانفصال.


في الختام...


تعكس الزيارة في جوهرها اعترافاً أمريكياً واقعياً بصعود الصين كقوة عظمى مكافئة، وتراجع قدرة الهيمنة الأمريكية المنفردة على إملاء الشروط، أو فرض سياسات الاحتواء على بكين، التي باتت تقود موازين التكنولوجيا والإنتاج. لقد جاءت واشنطن مدفوعة بحاجتها الماسة لتهدئة الجبهة الآسيوية وحماية سلاسل التوريد، في وقت تستنزف فيه التوترات والحروب في غرب آسيا قدراتها. وعليه، لم يضع أي من الطرفين ضمن توقعاته إنهاءً كاملاً لملفات الخلاف الأساسية، بل كان التركيز منصباً على الحفاظ على الحوار، وإدارة المخاطر، وإظهار أن المنافسة لا تستبعد التعاون في الملفات الحيوية المشتركة.
ومع ذلك، يبقى أن نراقب ما إذا كانت واشنطن ستلتزم فعلياً بــ «الاستقرار الاستراتيجي» في علاقتها مع الصين، وإلى أي مدى يمكن للاستقرار أن يصمد أمام استفزازات أمريكية جديدة في مضيق تايوان، أو في ساحات التنافس التكنولوجي العالمي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1278