«انتخابات الولايات» في الهند... اختبارٌ مبكر للموازين قبل الاستحقاق العام
تشكل انتخابات الجمعيات التشريعية «انتخابات الولايات» في الهند استحقاقاً دورياً لاختيار الحكومات المحلية التي تدير شؤون الولايات بصلاحياتٍ واسعة. وتشهد نيودلهي سباقاً انتخابياً تتجه فيه الأنظار إلى ما هو أبعد من حدود الولايات نفسها، باعتبار ما يجري اختباراً مبكراً لموازين القوى السياسية قبل الانتخابات العامة. وفي ظل تصاعد نفوذ حزب بهاراتيا جاناتا، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. ومحاولات المعارضة استعادة حضورها، تتحول الولايات الهندية إلى ساحة اختبار في الدولة الآسيوية الصاعدة.
جرت الانتخابات في خمس وحداتٍ إدارية: بنغال الغربية، وكيرالا، وتاميل نادو، وآسام، بالإضافة إلى إقليم بودوتشيري الاتحادي. وأُجريت عمليات التصويت بين 9 و29 نيسان، بينما أُعلنت النتائج النهائية يوم 4 أيار 2026.
وتكتسب هذه الجولة أهمية خاصة، كونها تشمل ولاياتٍ ذات ثقلٍ ديموغرافي وسياسي كبير، مما يجعلها مؤشراً رئيسياً لقياس توازنات القوى قبل الانتخابات العامة المقررة في عام 2029.
كيف يعمل النظام الفيدرالي الهندي؟
لفهم أهمية هذه الانتخابات، لا بد من التوقف عند طبيعة النظام السياسي الهندي. فالهند دولة اتحادية تضم 28 ولاية وعدداً من الأقاليم الاتحادية، ولكل ولاية حكومة وبرلمان محلي يمتلكان صلاحيات واسعة في مجالات التعليم والصحة والزراعة والأمن المحلي والخدمات العامة. أما الحكومة المركزية في نيودلهي فتسيطر على ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد العام والضرائب الكبرى. لكن الواقع السياسي يجعل العلاقة بين المركز والولايات شديدة الحساسية، خصوصاً عندما تكون حكومات الولايات من أحزاب معارضة للحكومة المركزية. مما يكسب هذه الانتخابات أهميّةً أكبر، حيث تسعى الأحزاب المركزية للسيطرة على هذه الحكومات لضمان تنفيذ أجندتها الوطنية دون عوائق إدارية أو قانونية من السلطات المحلية المعارضة.
التحول الأكثر حساسية
الجديد في انتخابات 2026 كان حجم التحولات السياسية. وتعد ولاية البنغال الغربية الحدث الأكثر دلالة، إذ حقق حزب بهاراتيا جاناتا فوزاً أنهى أكثر من 15 عاماً من حكم حزب المؤتمر الترينامولي بقيادة ماماتا بانيرجي. هذا التحول اعتُبر أهم اختراق للحزب الحاكم في شرق الهند، خصوصاً أن الولاية كانت لسنوات معقلاً للقوى الإقليمية واليسار الهندي.
لكن الفوز لم يمر بلا جدل، إذ رافقته اتهامات واسعة للحكومة بالتلاعب في سجلات الناخبين واستبعاد ملايين الأسماء، خاصة من المسلمين والفقراء، ووفقاً لصحيفة «الغارديان»، استُبعد 9.1 ملايين ناخب «أكثر من 10% من السجل». وبينما بررت السلطات الإجراء بوجود وفيات وتكرار، أُقصي 2.7 مليونا شخص رغم اعتراضهم قانونياً على شطب أسمائهم.
في الولايات الأخرى
في ولاية آسام احتفظ حزب مودي بالسلطة بسهولة، مستفيداً من خطاب قومي يعتمد على قضايا الهوية والهجرة والحدود. أما في ولاية كيرالا فقد خسر اليسار الهندي السلطة لصالح تحالف يقوده حزب المؤتمر، في ضربة مؤلمة لأحد آخر معاقل اليسار التاريخية في البلاد.
أما في ولاية تاميل نادو، نجح الممثل جوزيف فيجاي في قيادة حزبه الجديد إلى الصدارة، متجاوزاً الأحزاب التقليدية التي حكمت الولاية لعقود. يعكس هذا الصعود حالة تعب شعبي من النخب السياسية القديمة، ورغبة قطاعات واسعة، خصوصاً الشباب، في تجربة بدائل جديدة. كما كشف عن أزمة داخل معسكر المعارضة الوطني، بعد ظهور خلافات بين حزب المؤتمر وحلفائه الإقليميين حول دعم جوزيف فيجاي للوصول إلى رئاسة وزراء ولاية تاميل نادو.
في بودوتشيري عزز تحالف حزب بهاراتيا جاناتا نفوذه، ما أعطى الحزب الحاكم حضوراً أوسع في جنوب البلاد، رغم أن الجنوب الهندي بقي عموماً أقل حماساً للمشروع القومي الهندوسي مقارنة بالشمال.
تختلف القراءات السياسية لنتائج التصويت، إذ يرى أنصار الحكومة أنها تؤكد استمرار شعبية مودي وقدرة الحزب الحاكم على التوسع، حتى في المناطق التي كانت معادية له تاريخياً. بينما يرى معارضون أن الحزب استفاد من هيمنة مالية وإعلامية ضخمة، ومن استخدام خطاب ديني وقومي يهمّش الأقليات ويعيد تشكيل الحياة السياسية على أساس الهوية. فيما تشير بعض التحليلات إلى أن تراجع قوى المعارضة يعود إلى غياب برنامج اقتصادي واجتماعي واضح قادر على مخاطبة العمال والفقراء، وليس فقط إلى قوة اليمين.
عموماً، لا تعني نتائج الانتخابات الإقليمية بالضرورة تكرار السيناريو نفسه في الانتخابات العامة، لكن تأثيرها السياسي والإعلامي يبقى كبيراً. ففوز الحزب الحاكم في عدد من الولايات يمنحه زخماً معنوياً وتنظيمياً قبل الاستحقاق الوطني، بينما ترى المعارضة في أي تقدم تحققه فرصة لإثبات قدرتها على المنافسة.
وفي الحالة الهندية الحالية، تبدو الانتخابات الإقليمية بمثابة اختبار لثلاث قضايا رئيسية: مدى استمرار شعبية مودي، وقدرة المعارضة على توحيد صفوفها، ومستقبل القوى التقليدية، مثل: اليسار في ولاياته التاريخية. ومع اقتراب الانتخابات العامة المقبلة، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، خصوصاً في ظل التنوع الاجتماعي والسياسي الهائل الذي يجعل المزاج الانتخابي الهندي متغيراً من ولاية إلى أخرى، ومن قضية إلى أخرى.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
حلا الحايك