كل الرياح لا تخدم السفن الأمريكية...
ديما النجار ديما النجار

كل الرياح لا تخدم السفن الأمريكية...

سببت الحرب المستعرة التي شنتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إيران حتى الآن دماراً هائلاً في المنطقة. لكن في لحظات التحولات التاريخية الكبرى لا يُقاس حجم الدمار بقيمته المالية المباشرة، بقدر ما يُقاس بأثره الاستراتيجي طويل المدى...

ذكرت وكالة بلومبرغ، أن تكلفة الأسبوع الأول للحرب على الولايات المتحدة بلغت نحو 11.3 مليار دولار، إضافة إلى خسائر بشرية في صفوف الجنود الأميركيين. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فقد تكون هذه التكاليف أصغر مشاكل واشنطن، إذا ما قورنت بالأثر الاستراتيجي العميق الناتج عن طبيعة الأهداف التي دُمّرت للأمريكيين، والتي سرّعت تراجع مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي.


ترامب في مأزق… وخصومه كذلك


من الناحية الاستراتيجية، يواجه ترامب اليوم مشكلة كبيرة. فقراره بالانخراط في الحرب مع إيران يتناقض مع التوجه الذي أعلنته الولايات المتحدة بشقي حزبيها الديمقراطي والجمهوري، خلال العقد الأخير، بتحويل التركيز الاستراتيجي نحو الصين، باعتبار أن التحدي المركزي لتغوّلها دولياً هو صعود الصين في آسيا. لكن الحرب في الشرق الأوسط تؤدي لاستنزاف الموارد العسكرية والسياسية في اتجاه آخر. فصواريخ توماهوك وأنظمة الدفاع الجوي THAAD تُعد من الموارد العسكرية ذات العدد المحدود التي يصعب تعويضها بسرعة. وقد التقطت بكين هذه النقطة الاستراتيجية. ففي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية فرضت الصين قيوداً على تصدير بعض المعادن الحيوية، مثل: الغاليوم والجرمانيوم، وهي عناصر تدخل في الصناعات العسكرية المتقدمة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن الصين تهيمن على نحو 70٪ من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالمياً، وعلى معظم عمليات معالجتها، وهي مواد أساسية في تصنيع الصواريخ الموجهة وأنظمة الرادار والتقنيات العسكرية الحديثة.
كذلك، يتعلم مزيد من حلفاء الولايات المتحدة يوماً بعد يوم، أن الثقة بالولايات المتحدة خطأ استراتيجي، فأي حليف قد يتم التخلي عنه. ففي هذه الحرب، لم تقتصر خسارة واشنطن على تآكل ثقة حلفائها في الخليج، بل بدأت أيضاً ثقة حلفائها في آسيا تهتز. فقد أثار نقل القوات البحرية والقدرات الدفاعية من كوريا الجنوبية إلى منطقة الخليج قلقاً متزايداً في العواصم الآسيوية حول أولويات الولايات المتحدة، وما إذا كان هؤلاء الحلفاء سيجدون أنفسهم بمفردهم في حال احتدام الصراع مع كوريا الشمالية أو الصين.

ومن أهم الخسائر الاستراتيجية التي برزت بعد استهداف إيران للقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، هو طرح سؤال جديد في المنطقة: هل تشكّل هذه القواعد ضمانة أمنية لدول الخليج، أم أنها باتت مصدر خطر إضافي عليها؟ هذا السؤال يرتبط مباشرةً بنظام البترودولار. فقد بدأ هذا النظام، الذي نشأ في سبعينيات القرن الماضي، يُظهر علامات تراجع. وبموجب الترتيب الذي تأسس آنذاك، تقوم الدول المصدرة للنفط، بقيادة المملكة العربية السعودية، بتسعير النفط بالدولار الأمريكي وإعادة استثمار فوائضها المالية في سندات الخزانة الأمريكية، مقابل مظلة حماية عسكرية تقدمها الولايات المتحدة. لكن ماذا يحدث إذا لم تعد هذه الحماية موضع ثقة؟ في هذا السياق، تحاول إيران تسريع هذا التحول عبر الدفع نحو استخدام اليوان الصيني في تسعير النفط، خاصة عبر إعطاء الأفضلية لمنافسي الولايات المتحدة في مضيق هرمز، والترحيب باستخدام اليوان في تسعير النفط.

رغم رعونة ترامب، فمن المهم التذكير بأن خصومه السياسيين لم يكونوا أفضل حالاً، وتسببوا بأزمات كبرى في محاولة إنقاذ الامبراطورية المتخبطة. فهم من دفعوا لحرب الاستنزاف الطويلة في أوكرانيا، وهم من وضعوا حجر الأساس لتدرك أوروبا عدم اكتراث الولايات المتحدة بمصالح الحلفاء، عبر حادثة تفجير خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 الذي كان يفترض أن يصل أوروبا بروسيا. وهم متفقون مع ترامب على العداء للصين، ودول البريكس التي تتقدم بخطى ثابتة للتخلص من الاعتماد على الدولار. كما أن تراجع الثقة بالدولار بدأ قبل عهد ترامب، نتيجة الإفراط الأمريكي في استخدام العقوبات المالية والحرمان من نظام سويفت كأداة لتحقيق أهداف سياسية. هذه الملفات مجتمعة تعكس مأزقاً أعمق من مجرد خلاف حزبي، بل أزمة استراتيجية تواجه الولايات المتحدة كنظام.

وهنا نرى أنّ الخلاف الذي حدث في الكونغرس- حيث حاول عدد من النواب تمرير قرار يقيّد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في شن حرب ضد إيران، دون تفويض صريح من الكونغرس- يعكس الانقسام الداخلي الشديد حول أفضل طرق إدارة التراجع، لكنه ليس خلافاً حول الاتجاه الاستراتيجي العام، ولا يقدم بدائل للشعب. فأولئك الذين انضموا لحركة MAGA (لنجعل أمريكاً عظيمة مجدداً) هرباً من سياسات بايدن، اصطدموا بحروب وبلطجية ترامب.
يقول David A. Lake البروفسور في العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا: أن شرعية النظام السياسي في الولايات المتحدة تعتمد على أربعة أعمدة مترابطة: قدرة النظام على تحقيق الرفاه والاستقرار، وشعور الجموع بالقدرة على المشاركة، والإجراءات التي تحترم القانون، والقيم الأخلاقية. لكن الشرعية تبدأ بالتآكل حين تدخل هذه العناصر في حلقة مفرغة من التحلل. واليوم، بعد فضيحة ملفات إبستين، والتضخم والارتفاع الجنوني لأسعار النفط، الذي يسرع تردي الأوضاع المعيشية للشعب الأمريكي، والذي يرى أموال الضرائب تصرف على الحروب، ولمصلحة الطبقة الحاكمة، تجعل الجموع تبحث عن ذلك الصوت من خارج المنظومة الحاكمة ككل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269