فرنسا... صورةٌ استعمارية راسخة في أفريقيا!
تشهد العلاقات الفرنسية–الأفريقية مرحلة إعادة تشكّل عميقة، في ظل تحولات متسارعة داخل القارة السمراء وصعود قوى دولية جديدة تنافس باريس على النفوذ والمصالح. وتأتي الزيارات المتتالية لعدد من القادة الأفارقة إلى قصر الإليزيه، في مقدمتهم رئيس مدغشقر الجديد، ورئيس ساحل العاج، ورئيس الكونغو الديمقراطية، كمؤشر على سعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ترميم الحضور الفرنسي، وإعادة صياغة العلاقة مع أفريقيا. غير أن هذه المساعي تصطدم بواقع إقليمي ودولي مختلف جذرياً عما كان عليه قبل عقدين.
زيارات الإليزيه: دبلوماسية إعادة التموضع
استقبل الإليزيه يوم 24 شباط رئيس مدغشقر الجديد مايكل راندريانيرينا في أول زيارة عمل له إلى فرنسا منذ توليه السلطة في تشرين الأول الماضي. وتأتي هذه الزيارة بعد أيام قليلة من محطة موسكو، حيث دشّن الرئيس الملغاشي في 19 شباط مرحلة جديدة من التعاون مع روسيا، تركز على مجالي الدفاع والطاقة. وقد أوضح راندريانيرينا قبل مغادرته إلى باريس، أن بلاده «تسعى إلى تحقيق منافع ملموسة لشعبها، دون تمييز بين شركائها»، في تعبير واضح عن براغماتية أفريقية جديدة تقوم على تنويع الشركاء.
وتزامنت الزيارة مع الإعلان عن إطلاق مشاريع تعاون بقيمة تقارب 70 مليون يورو منذ تشرين الأول، بينها دعم مشاريع حيوية، مثل: سد فولوبي الكهرومائي، غير أن هذا الانخراط الاقتصادي الفرنسي يأتي في سياق تنافسي، حيث لم تعد باريس الشريك الأوحد القادر على تمويل المشاريع الكبرى في القارة، هذا إن كانت فرنسا جادة أصلاً في هذا التوجّه.
في السياق ذاته، أجرى رئيس ساحل العاج الحسن واتارا محادثات مع ماكرون في 24 شباط 2026، تناولت التعاون الثنائي والوضع الإقليمي. ورغم أن واتارا يُعد من أقرب القادة الأفارقة إلى باريس، فإن بلاده قررت عام 2024 إغلاق قاعدة «بونت بويه» الفرنسية وتحويلها إلى قاعدة إيفوارية، في خطوة تعكس تحوّلاً رمزياً وعملياً في طبيعة العلاقات العسكرية.
كما استقبل ماكرون رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي في 25 شباط، في ثاني لقاء بينهما خلال أقل من شهر، لبحث الأزمة الأمنية المتفاقمة في شرق الكونغو، خصوصاً في إقليمي شمال وجنوب كيفو. ويعكس هذا التقارب محاولة فرنسية للعب دور دبلوماسي في تسوية النزاعات الإقليمية، بعد تراجع نفوذها في مناطق أخرى من القارة.
تآكل النفوذ العسكري: من الساحل إلى الأطلسي
الأزمات التي قلّصت نفوذ فرنسا لم تعد مقتصرة على منطقة الساحل، حيث اضطرت باريس إلى إنهاء وجودها العسكري في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. بل امتد التراجع إلى غرب أفريقيا الأطلسية، بالإضافة إلى مطالبات من السنغال بالخروج الكامل للقوات الفرنسية.
هذا التراجع يعكس تحوّلاً عميقاً في المزاج الشعبي الأفريقي، حيث باتت مسألة السيادة الوطنية ورفض الإرث الاستعماري في صلب الخطاب السياسي. ولم تعد القواعد العسكرية أو شبكات النفوذ التقليدية كافية لضمان استمرار الدور الفرنسي، وكمثال واضح: عبرت القوى التي ساهمت في الانتفاضة الأخيرة التي أطاحت برئيس مدغشقر عن حذرها من زيارة الرئيس راندريانيرينا إلى فرنسا متسائلة عن المقابل لهذه الزيارة.
تنافس دولي محتدم وأفريقيا أكثر استقلالاً
تسعى باريس إلى تعويض تراجعها في غرب أفريقيا عبر تعزيز علاقاتها بشرق القارة ووسطها، غير أن هذه الاستراتيجية تواجه بيئة تنافسية شديدة. فالصين تكرّس حضورها عبر التمويل والبنية التحتية، وروسيا توسّع شراكاتها في مجالات الدفاع والطاقة، وتركيا تعزز حضورها الاقتصادي والعسكري، فيما تتنامى أدوار قوى إقليمية أفريقية تمتلك طموحات مستقلة ورؤية سيادية.
الأهم من ذلك، أن أفريقيا نفسها لم تعد «حديقة خلفية» لأي قوة خارجية. فالدول الأفريقية اليوم أكثر ميلاً إلى تنويع الشراكات، والموازنة بين القوى الكبرى، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من التنافس الدولي. خطاب «الاستقلال الاستراتيجي» لم يعد موجهاً ضد فرنسا وحدها، بل يعكس قناعة متزايدة بعدم قدرة الغرب، خلال عقود، على تلبية تطلعات التنمية والاستقرار.
تعكس زيارات القادة الأفارقة إلى باريس محاولة فرنسية لإعادة التموضع في قارة لم تعد كما كانت. صحيح أن الإليزيه ما زال قادراً على جذب شركاء أفارقة، لكن طبيعة العلاقة تغيرت جذرياً: لم تعد فرنسا راعياً حصرياً أو قوة مهيمنة، بل طرفاً ضمن معادلة تنافسية معقدة.
في ظل صعود الصين وروسيا وتركيا، وتنامي خطاب الدول الأفريقية دفاعاً عن سيادتها ومصالحها، يبدو أن مستقبل العلاقات الفرنسية–الأفريقية سيتحدد بقدرة باريس على تقديم مزايا ملموسة وحقيقية، لا الاكتفاء بخطاب رمزي حول «إعادة البناء». فالقارة السمراء اليوم تفاوض من موقع قوة نسبية، وتتعامل مع شركائها بمنطق المصالح المتبادلة، لا الامتيازات التاريخية، لكن مشكلة فرنسا هي أنّها غير قادرة على تغيير وجهة نظر الأفارقة اتجاهها، فهي مستعمر تاريخي وترتبط بدور أسود في التاريخ الأفريقي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267
معتز منصور