باكستان وأفغانستان... نقطةٌ ساخنة ضمن صورة أوسع
دخلت المواجهة بين باكستان وأفغانستان مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد إعلان إسلام آباد «حرباً مفتوحة» وتنفيذها غارات جوية على كابول وقندهار وبكتيكا، أعقبها اشتباك حدودي واسع، وتبادل للقصف على امتداد خط ديورند البالغ طوله نحو 2600 كيلومتر... الطرفان يتهمان بعضهما ببدء الهجوم، وبإيواء أو دعم جماعات مسلحة تنفذ عمليات عبر الحدود، فيما تتصاعد أرقام القتلى والجرحى من الجانبين، وسط تضارب في الروايات.
عسكرياً، تمتلك باكستان تفوقاً جوياً، وقد أعلنت تدمير عشرات المواقع داخل الأراضي الأفغانية، فيما تؤكد طالبان أنها ردّت بهجمات برية، واستهدفت مواقع حدودية، وزعمت إسقاطها طائرة مقاتلة في جلال آباد، وأَسرت طيارها.
لكن الأخطر بالنسبة لباكستان، ليس ما يجري خلف الحدود، بل ما يتفجر داخلها، فالهجمات الانتحارية والكمائن التي تستهدف الشرطة والجيش في خيبر بختونخوا والسند والبنجاب، وتحرّكات تنظيمات، مثل: «طالبان باكستان» وجماعات منشقّة عنها، تكشف شبكة
تشابكات مسلحة عابرة للحدود، تُراكم ضغطاً أمنياً داخلياً متزايداً. هذه التنظيمات، مهما اختلفت مسمياتها، تضرب في المحصلة العمق الباكستاني، وتستنزف الدولة ومؤسساتها، وتحوّل أي تصعيد خارجي إلى عبءٍ داخلي مضاعف.
وفي الخلفية، يبرز الموقف الأمريكي الداعم لـ«حق باكستان في الدفاع عن نفسها»، من دون دعوة واضحة لوقف النار، هذا الدعم، ظاهرياً، يبدو وكأنه يمنح غطاءً سياسياً لإسلام آباد، لكنه عملياً يزجّ بها في مواجهة مفتوحة على حدودها الغربية، في وقت لا تعنى به واشنطن بمصلحة باكستان، بقدر ما يهمّها إبقاء ساحات الإقليم مشتعلة، فطالبان ليست الهدف النهائي لواشنطن اليوم، بل إن استنزاف الجميع– باكستان، افغانستان، وإيران– يخدم معادلة إضعاف شاملة.
وهنا تتقاطع الملفات، فباكستان تعيش توتراً مزمناً مع الهند شرقاً، وتقف سياسياً إلى جانب إيران التي تتعرض لضغوط وهجمات أمريكية «إسرائيلية» في الوقت الراهن، فيما تشتعل حدودها الغربية مع أفغانستان، أربع جهات ضغط كبرى تحيط بإسلام آباد في آن واحد– ضمناً الجبهة الداخلية- ما يجعل أي انزلاق إضافي مغامرة استراتيجية.
بالعودة إلى باكستان وأفغانستان، فإن استمرار المعركة لن ينتج حلاً، بل سيعمّق الفوضى ويغذّي الجماعات المسلحة على جانبي الحدود... الطريق الأقل كلفة يمرّ عبر حوار سياسي مباشر بين كابول وإسلام آباد، يعالج الملف الأمني والحدودي، بعيداً عن منطق التصعيد، غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بتقليص التدخلات الغربية، المباشرة وغير المباشرة، التي كثيراً ما حوّلت أزمات الإقليم إلى ساحات استنزاف مفتوحة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267
ملاذ سعد