غرب آسيا على صفيحٍ ساخن… والحرب احتمالٌ جدّي
لا يزال احتمال الحرب على إيران قائماً، ويرافقه كمٌ هائل من الضخ الإعلامي، مع نشاط دبلوماسي مستمر بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وبين إيران وأطراف مختلفة أخرى، بعد أن كانت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية تشير إلى إمكانية الوصول إلى اتفاق، يبدو أننا لا نزال بعيدين عن ذلك، ما بدأ يتحوّل إلى خطرٍ حقيقي يهدد كامل المنطقة.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مهلة لإيران للوصول إلى اتفاق، وتحدث بالبداية عن 10 أيام ليعدّل هذه المهلة في وقتٍ لاحق لتكون 15 يوماً، لكن ما نعرفه عن هذه المفاوضات هو عبر تقارير إعلامية وتصريحات الأطراف المنخرطة فيها، فالولايات المتحدة تتحدث عن وقف كل للتخصيب، مع شروط تشمل وضع شروط على دور إيران الإقليمي وقدراتها الصاروخية البالستية، في الوقت الذي تبدي إيران مرونة في موضوع التخصيب، وتدفع للوصول إلى اتفاق يشبه من حيث الإطار العام، ذلك التي تم التوصل إليه في 2015 قبل أن ينسحب منه الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى، ولكن طهران تظهر صرامة واضحة في رفض نقاش المسائل الأخرى بشكلٍ قطعي، بل إن مستشار الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قال: إن هذه المسائل لا تطرح في المفاوضات، بل مادة للاستهلاك الإعلامي.
أزمة الثقة
إن سلوك الولايات المتحدة قبل حرب الـ 12 يوماً، ثبّت حالة من عدم الثقة بواشنطن، وخصوصاً أنّها بدأت عملية عسكرية أثناء انعقاد المفاوضات مع طهران، وخلال الأيام الماضية يبدو سلوك الولايات المتحدة مربكاً، فمن جهة هناك مفاوضات تجري، ولكن يرافقها تحشيد عسكري هو الأكبر منذ احتلال العراق في 2003، ما يجعل الطرف الإيراني مجبراً للتعامل مع كل الاحتمالات الممكنة، فمن جهة تنخرط إيران في هذه المفاوضات، لكنّها في الوقت نفسه تعمل بشكلٍ متواصل على إعداد دفاعاتها، وتحضير خطط لاستهداف المصالح الأمريكية و«الإسرائيلية»، ويجري ذلك مع تزايد التقارير الإخبارية عن تعاون عسكري كبير بين طهران وروسيا والصين. وتزايد واضح بالخطاب «الإسرائيلي» الداعم لعدوان جديد على إيران، بعد أن كانت تل أبيب تحاول ألا تظهر في واجهة التطورات الخطيرة هذه.
ما الذي تقوله الصحافة «الإسرائيلية»
تحاول بعض المقالات في الصحافة «الإسرائيلية» تشخيص المشهد القائم، فمن جهة هناك حاجة للاعتراف بأن حرب الـ 12 يوماً لم تحقق أهدافها، بل ذهبت بعض المقالات للقول: إن الرئيس ترامب قدّم تقديراً مبالغاً به لنتائج الحرب، ففي حين كان ترامب مصرّاً على أن الضربات أنّهت البرنامج النووي الإيراني، يعترف المحللون «الإسرائيليون» أن ما تم إنجازه لا يتجاوز تأخير البرنامج النووي الإيراني لسنة أو أقل، ويظهر من هذه الآراء أن قدرات إيران الصاروخية شكّلت تهديداً حقيقياً «لإسرائيل» التي اعتادت تبعات أقل لحروبها في المنطقة، المثير للانتباه، هو ما جاء في مقال نشرته يديعوت أحرونوت، يحاول فيه الكاتب مايكل أورن المقاربة بين الظروف التي أحاطت بـ «إسرائيل» سنة 1967، فمن وجهة النظر «الإسرائيلية» كان مشروع «الدولة» واقعاً تحت تهديد وجودي، وهو ما فرض الحرب في حينه، بوصفها المخرج الوحيد، ويرى أورن: أن الوضع اليوم مشابه إلى حد كبير لظروف 1967 ويقول: إن «إسرائيل تواجه تهديدات استراتيجية، وربما وجودية لا يمكن إزالتها عبر المفاوضات» وهو ما يجعل الحرب مسألة حتمية بالنسبة له.
إن أفكاراً من هذه النمط، ورغم خطورتها، إلا أنّها تعكس الواقع الذي تعيشه «إسرائيل» فمن جهة يلاحظون تقارباً متزايداً بين مجموعة من الدول الأساسية في المنقطة، وتحديداً السعودية وتركيا ومصر، وهو ما يبدو مقلقاً، وخصوصاً بعد التطورات الأخيرة في اليمن والسودان التي وضعت «حليفهم الأقرب» الإمارات تحت ضغط سعودي شديد، ما قد يؤدي غالباً إلى انخفاض واضح في قدرة أبوظبي على أداء دورها السباق، وإن نشوء مثل هذا النمط من التحالفات، أو التقاربات، وخصوصاً كون طهران، أن جزء منها يعني فعلياً أن آمال الكيان في إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم مصالحه أصبح مسألة صعبة، وبالتالي قد تكون الحرب مخرجاً، لكنّها في الوقت نفسه تحمل كمّاً كبيراً من المخاطرة، ولكن وإذا ما رأينا المسألة بوصفها «تهديد وجودي» يبدو حينها أن نتائج هذه الحرب، وإن كانت غير مضمونة، تحمل في الواقع احتمالات أقل خطورة من تلك التي تتطور أمام أعين تل أبيب.
إن الاستعدادات العسكرية الهائلة التي يجري زجّها في المنطقة، ورغم خطورتها، تظل غير كافية لتغيير النظام في طهران، فنحن غير قادرين على تقدير حجم وطبيعة الاستعداد الإيراني للمواجهة المحتملة، ولكننا متأكدين أن أعنف ضربات يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة لن تكون كافية لتحقيق الأهداف المعلنة، وتحديداً أن خيار وضع قوات على الأرض يبدو بعيداً كثيراً عن الواقع، نظراً لحجم الخسائر المتوقعة، فالمسألة إذاً- وهو ما يبدو واضحاً في عدد من التقارير الغربية و«الإسرائيلية»- أن الحشود العسكرية الموجودة قادرة على توجيه ضربات موجعة، لكّنها في الوقت نفسه لن تكون قادرة على حماية «إسرائيل» والقواعد الأمريكية، وخصوصاً حاملات الطائرات التي تعلن إيران على مدار الساعة أنّ «فخر الصناعات العسكرية الأمريكية» ستكون هدفاً أساسياً في هذه الحرب، وهو ما يمكن أن يكون له رمزية خاصة، كون حاملات الطائرات الأمريكية ارتبطت دائماً بمكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
تصريحات هاكابي ومعناها
في ظل هذه الأجواء الحساسة خرج السفير الأمريكي مايك هاكابي في تصريحات خطيرة أثناء مقابلة أجراها معه الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، قال فيها هاكابي: إن «إسرائيل» لها الحق بالاستناد إلى التوراة بالأراضي من الفرات إلى النيل، وأنّه لا يرى مشكلة متى يأخذ الكيان الصهيوني هذه الأراضي، ما أشعل موجة من الاستنكار، وأصدرت مجموعة من الدول العربية والإسلامية بياناً مشتركاً يوم الأحد 22 شباط الجاري، أدانت فيها بشديدة التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى «إسرائيل»، وكان من بين الدول تركيا والسعودية وباكستان ومصر.
إن توقيت هذه التصريحات يحمل معنى إضافياً، فإن إعلان سفير أمريكي لموقف من شأنه الإضرار بمصالح كامل دول المنطقة، دون أي توضيح لاحق، أو تراجع من الخارجية الأمريكية، أو حتى هاكابي نفسه، يحتاج إلى تفسير، لكنّها تستند إلى حقيقة لم يعد بالإمكان إخفاؤها، وهي أن الولايات المتحدة تدرك أن إنشاء أي شكل من أشكال التحالف بين دول المنطقة و«إسرائيل» في مواجهة إيران بات مسألة مستحيلة، ولم يعد من المجدي الضغط بهذا الاتجاه، وبدلاً من محاولة خلق أطر أمنية مشتركة، يمكن بالنسبة لواشنطن أن تستخدم الكيان كأداة ترهيب لأطول مدّة ممكنة، أملاً في تأخير حصد نتائج التوافقات التي تجري في المنطقة خارج المصلحة الأمريكية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266