غزّة والضّفة: تقاسمُ أدوارٍ بين واشنطن وتل أبيب؟
معتز منصور معتز منصور

غزّة والضّفة: تقاسمُ أدوارٍ بين واشنطن وتل أبيب؟

تبدو التطورات الأخيرة في قطاع غزة والضفة الغربية وكأنها تعكس صيغة غير معلنة لتقاسم الأدوار بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والكيان الصهيوني. ففي الوقت الذي يتحرك فيه البيت الأبيض عبر مسار سياسي– اقتصادي يحمل عنوان «السلام وإعادة الإعمار» في غزة، تتقدم حكومة الاحتلال بخطوات قانونية وإدارية في الضفة الغربية، ترسّخ الضم الفعلي للأرض.

«مجلس السلام» وتحويل غزّة إلى ملفٍ استثماري


شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن الاجتماع الأول لما سُمّي بـ«مجلس السلام»، بمشاركة ممثلين عن نحو أربعين دولة، بينهم ملك البحرين وعدد من المندوبين العرب، في ظل غياب رسمي فلسطيني، وحضور ممثل عن «إسرائيل»، ومشاركة علي شعث رئيس اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، دون تعريف سياسي رسمي واضح.
اللافت في هذا الاجتماع، أن المقاربة المطروحة تعاملت مع غزة باعتبارها منطقة حرب تحتاج إلى وقف إطلاق نار، حيث قال ترامب: إن السلام أقل تكلفة من الحرب مع غياب البعد القانوني والسياسي المتعلق بكون غزة أرضاً فلسطينية واقعة تحت الاحتلال، وتعرضت لإبادة جماعية لمدة سنتين، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات قانونية وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
أكد الرئيس الأمريكي خلال الاجتماع التزام بلاده بجعل غزة «مكاناً أفضل»، معلناً تخصيص 10 مليارات دولار عبر المجلس، إضافة إلى أكثر من 7 مليارات دولار ضمن حزمة إنقاذ دولية، معتبراً أن «كل دولار يُنفق في غزة هو استثمار في الأمل».
كما أعلن الجنرال جاسبر جيفيرز، قائد قوة الاستقرار الدولية، التزام خمس دول (إندونيسيا، المغرب، كازاخستان، كوسوفو، وألبانيا) بإرسال قوات للعمل ضمن القوة الدولية المقترحة.

غير أن البنية التنظيمية للمجلس تثير تساؤلات، إذ يُدار كهيئة مستقلة خارج الأطر الأممية التقليدية، ولا يستند إلى تفويض صادر عن الأمم المتحدة، أو عن مجلس الأمن الدولي، بل وفق نظام داخلي يُبقي ترامب رئيساً للمجلس، حتى لو لم يعد رئيساً للولايات المتحدة. هذه الصيغة تعزز الانطباع بأن المجلس ليس إطاراً دولياً جامعاً، بل منصة سياسية موازية تعيد تعريف القضية من كونها قضية تحرر وطني، إلى مسألة «إدارة منطقة منكوبة». وصولاً لتحقيق ذات أهداف الإبادة الجماعية، بشعارات تنموية واستثمارية، وتحت لافتة السلام، والهدف تهجير الشعب الفلسطيني في غرة، وإنهاء القضية الفلسطينية إلى الأبد، ويعكس تصريح الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو «غزة ليست سوى التجربة الأولى لاعتبارنا جميعاً شيئاً قابلاً للتصرف به» في فهم عالمي واضح لتبعيات هذا السلوك الأمريكي، خاصة مع إعلان ترامب أن مجلس السلام يمكن أن يدير أي منطقة أخرى.


الضفة الغربية وخطوات الضم المتدرج


بموازاة التحرك السياسي في غزة، صادقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار يقضي ببدء تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ «أملاك دولة»، منهية تجميداً استمر منذ عام 1967، ولفهم خطورة هذه الخطوة، لا بد من العودة إلى تقسيمات الضفة، وفق اتفاقية طابا عام 1995 والتي شملت المنطقة (أ): 17.6% وتخضع إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية. والمنطقة (ب): 18.3% وتخضع إدارياً للسلطة وأمنياً لتنسيق مشترك. والمنطقة (ج): 59.63% وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة أمنياً وتخطيطياً.
وكان من المفترض نقل المنطقة (ج) تدريجياً إلى السيطرة الفلسطينية، غير أن الواقع سار في الاتجاه المعاكس. ووفق الخطة الجديدة، سيُلزم الجيش بتحويل نحو 15% من أراضي المنطقة (ج) إلى «أراضي دولة» خلال خمس سنوات، ما يمنع الفلسطينيين من البناء أو تسجيل الأراضي بأسمائهم، ويُسهّل تخصيصها حصرياً للمستوطنين.
في هذه النقطة تحديداً، يبدو أن الأدوار تنعكس: فبينما تمضي الحكومة «الإسرائيلية» قدماً في خطوات الضم الفعلي، يخرج ترامب ليعلن أنه «لن يسمح بالضم». هذا التباين الظاهري لا يعكس خلافاً جوهرياً، بل هو نمط محدد لتوزيع الأدوار؛ حيث تتولى «إسرائيل» فرض الوقائع العسكرية على الأرض، فيما تحافظ واشنطن على خطاب دبلوماسي يمنحها هامش المناورة الدولية، ولعب دور الوسيط.


بين غزة والضفة: إعادة تعريف القضية


ما يحدث في الضفة وغزة هو مسار واحد، وبأهداف واضحة مرتبطة بطبيعة الكيان الصهيوني، الذي يسعى إلى التوسع الدائم وضم الأراضي وتهجير السكان، بهذا المعنى، قد لا يكون الهدف المعلن هو إنهاء الحرب فقط، بل إعادة صياغة القضية الفلسطينية ذاتها: تفريغ غزة من بُعدها السياسي، وتحويلها إلى كيان إداري خاضع لإشراف دولي، مقابل تثبيت واقع الضم في الضفة الغربية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266