الأمير آندرو... كبشُ فداءٍ لا مناص منه
لا تزال تداعيات وثائق إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية في بداياتها، وستبدأ تداعياتها السياسية بالتصاعد، ومن المرجح أن تستمر لفترة طويلة تتخللها عمليات ابتزاز وتسويات وتضحيات وغيرها. وفي هذا السياق، تعد المملكة المتحدة من بين الدول الأكثر تضرراً، إثر هذه التسريبات حيث طالت الفضائح العائلة الملكية مباشرة، بما تحمله من رمزية مكثفة للبلاد والمجتمع البريطاني، وإساءة استخدام المنصب الملكي والحكومي على حد سواء، ليجري اعتقال الأمير السابق آندرو ماونتباتن ويندسور، شقيق الملك تشارلز الثالث، يوم الجمعة 20 شباط لمدة عشر ساعات للتحقيق معه.
أولاً، وللتأكيد، يأتي اعتقال الشرطة البريطانية للأمير السابق آندرو، والتحقيق معه نتيجة للفضائح المنشورة التي ليس بالإمكان التغطية عليها، وهي فضائح تعود لسنوات طويلة سابقة، من الاستغلال الجنسي إلى تسريب وثائق رسمية، أي أن الحكومة البريطانية مجبرة على اتخاذ هذه الإجراءات التي لا تزال «شكلية»، مع محاولة «لملمتها» وحصرها بشخص آندرو وحده فقط.
فحتى الآن، وبعد مرور عام على بدء التسريبات، ومرور أسبوعين على نشر وزارة العدل الأمريكية لوثائق تدين آندرو مباشرة، لم يجرِ عملياً سوى اعتقال لمدة عشر ساعات من التحقيق، دون توجيه أيّ تهم رسمية له، في المقابل، عمدت ماكينة الإعلام البريطانية إلى تعظيم الحدث، وصولاً لوصفه بـ «السقوط» لآندرو في الصحف صباح اليوم التالي.
وبدأ الحديث يدور حول مناقشات في مجلس العموم من أجل عزل آندرو عن تراتبية العرش الملكي البريطاني، وهو أساساً في المرتبة الثامنة، وبسنّه الحالي تظل فرصته متدنية أساساً... أي أن المملكة المتحدة تحاول لملمة الحدث بقنبلة دخانية إعلامية أمام الرأي العام، دون إجراء تحقيقات جادة تكشف من خلالها خيوط علاقات آندرو وإبستين داخل المملكة المتحدة، ومدى تورط أناس آخرون بهذا الملف، ناهيك عن محاولة كشف أيّ جرائم أخرى.
وهذا يشبه إلى حد بعيد التحقيقات الجارية حول استخدام إبستين لمطارين في العاصمة لندن للاتجار بالبشر عبر طائرته الخاصة، وفقاً لمعلومات وردت في الوثائق التي كشف عنها، وعليه، فإمّا أن الاستخبارات البريطانية «العريقة» باتت مهترئة بالفعل، وفاقدة للأهلية لتسري هذه الفضائح من تحت أقدامها و«تتفاجأ» الآن، أو إنها كانت تديرها، والآن تضع كل خبراتها الماضية في احتواء الحدث وإدارته، وتقوم بواجبها بحماية المنظومة السياسية.
التداعيات على المستوى الحكومي
رغم ذلك، فإن الإجراءات «الشكلية» التي تجري حتى الآن، والتعظيم الإعلامي لها، ليسا دون ضرر سياسي كبير، إلا أنه يبقى أقل الخسائر عبر حصره بشخصية من البلاط الملكي فقط، والتبرؤ منه أمام الرأي العام، أما الشخصيات الحكومية والسياسية وصولاً لرئيس الوزراء كير ستارمر، موضوع آخر تجري إدارته بشكل مختلف، بدءاً من موجة الاستقالات الطوعية، منها أو تحت الضغط، لكنها أيضاً تخضع للهدف ذاته المتمثل بـ «الاحتواء» والذي من المرجح أن يمضي في مسار «التضحية» بشخصيات سياسية وحكومية محددة تبرّء المنظومة نفسها منهم... لكن المشكلة العميقة بالنسبة للمملكة المتحدة أنه من غير المرجح إيقاف التداعيات عند هذا الحد، فتفاعلات الانقسام الأمريكي الذي أخرج هذه الملفات، له ما يشبهه من انقسام بريطاني وابتزازات داخلية متبادلة، وذلك فضلاً عن الخلافات والابتزازات البريطانية الأمريكية نفسها، مضافاً إليها ضغوط المراقبين الأبرز: الشعبين البريطاني والأمريكي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266