أوكرانيا... إنهاء الحرب والمسار الوحيد
يبدو أن الحرب في أوكرانيا تدخل مرحلة جديدة، تتقاطع فيها كثافة العمليات العسكرية مع زخم دبلوماسي متزايد، دون أن يعني ذلك اقتراباً حقيقياً من نهاية الصراع بعد، فبينما تتحدث العواصم الغربية- وبالتحديد واشنطن برئاسة دونالد ترامب- عن «فرص سلام» ومواعيد محتملة لإنهاء الحرب، يفرض الميدان والتعنّت السياسي الأوكراني – الأوروبي بالتحديد تصوراً مختلفاً.
على المستوى العسكري، تصاعد القتال في الأيام الماضية واتسع على امتداد جبهة تقارب 1200 كيلومتر، مع تركيز روسي واضح على محاور دونيتسك، ولا سيما محيط بوكروفسك–ميرنوغراد، حيث تعتمد موسكو تكتيكات الاستنزاف والتسلل التدريجي، مدعومة بضغط ناري كثيف، وبالتوازي، كثّفت روسيا ضرباتها على البنية التحتية للطاقة في عمق أوكرانيا، ما أدى إلى انقطاعات واسعة للكهرباء. بما يعنيه ذلك من تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة تضغط وتضعف النظام الأوكراني أكثر، وخاصة في هذه الأوقات التي يحاول بها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القيام بحملة إصلاح تشمل تغييرات وزارية وحكومية بعد فضيحة الفساد الأخيرة فيما يتعلق بملف الطاقة.
في المقابل، تواصل كييف ضرب أهداف روسية خلف خطوط التماس، لكنها تواجه واقعاً متراكماً من الاستنزاف، لا سيما مع تراجع الدعم الأمريكي، وتحوّل العبء المالي والعسكري بشكل متزايد نحو أوروبا، في وقت تعاني فيه هي نفسها من أزمات اقتصادية وطاقة وضغوط داخلية متصاعدة.
سياسياً، تتزامن التطورات الميدانية هذه مع مسار تفاوضي جارٍ باستضافة أبو ظبي، وترعاه الولايات المتحدة عبر محادثات ثلاثية مع روسيا وأوكرانيا، لكن، ورغم الحديث الأمريكي المتكرر عن «تقدم» و«نتائج إيجابية»، فإن القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها ملف الأراضي والضمانات الأمنية وتأكيد حياد أوكرانيا، لا تزال عالقة، كما أن طرح مواعيد نهائية وقريبة لسلام شامل، أو الحديث عن اتفاق محتمل، في آذار كما يروّج ترامب، يبدو أقرب إلى الحلم السياسي منه إلى قراءة واقعية، وخاصة مع مؤشرات النظام الأوكراني وحلفائه الأوروبيين السلبية.
ضمن هذا السياق، تطرح خطة ترامب نفسها كإطار تفاوضي سريع، قائم على الصفقات والضغط الزمني، إلا أن تعقيد الحرب وتشابك وتعارض مصالح الأطراف الداخلة، يجعل من الصعب نجاحها بصيغتها الحالية، في حين أن الوقائع العسكرية لا تزال تتصاعد تدريجياً لصالح روسيا أكثر فأكثر...
فهل ستتمكن كييف وحلفائها من تغيير مواقفهم نحو رؤية أكثر واقعية تجعلهم يخوضون مفاوضات جادة بالفعل، وبصيغة أكثر ملائمة ضمن موازين القوى الحالية، وبحدود الخسارة الحالية، أم سيحافظون على تشددهم، ريثما يستمر التقدم التدريجي لصالح روسيا، لتحسم المسألة في الميدان؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
ملاذ سعد