ما بعد «نيو ستارت» ... سباق تسلّحٍ أم تعبير عن ميزان قوى جديد؟
مع حلول الخامس من شباط 2026، دخل النظام الدولي مرحلة مفصلية مع انتهاء سريان معاهدة «نيو ستارت»، آخر اتفاق ملزم يقيّد الترسانات النووية الاستراتيجية للقوتين الأكبر نووياً في العالم. وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الردع النووي، وإمكانية تجنب سباق تسلح جديد في غياب قواعد متفق عليها.
جرى التوقيع على معاهدة «نيو ستارت / ستارت 3» في الثامن من نيسان 2010 بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وشكّلت مع دخولها حيز التنفيذ عام 2011 أحد الأعمدة الأساسية لضبط التوازن النووي بين البلدين، عبر تحديد عدد الرؤوس النووية المنتشرة عند حد أقصى 1550 لكل طرف، وحدّت من عدد ناقلاتها من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة الحاملة للأسلحة النووية، بما لا يتجاوز 700 منصة. وقيدت العدد الإجمالي لمنصات الإطلاق المنتشرة وغير المنتشرة بـ 800 منصة، إلى جانب آليات تفتيش وتبادل بيانات لضمان الالتزام بالاتفاقية.
وفق بنود المعاهدة، يمكن تمديد الاتفاقية لخمس سنوات إضافية لمرة واحدة. وهو ما تم عام 2021، ليعلن الرئيس الروسي بوتين عام 2023 تعليق مشاركة روسيا في المعاهدة، إثر انتهاكات متكررة من قبل واشنطن. برغم ذلك، أكد الجانب الروسي محافظته على شروط المعاهدة، وعدم زيادة مقدّراته النووية، داعياً لاستئناف العمل بالاتفاقية، وقدم مقترحات بهذا الشأن لواشنطن، وأوضح أن بلاده لن تعود إلى إجراء التجارب النووية «إلا إذا قامت الولايات المتحدة بذلك أولاً». في 22 أيلول 2025 ولتجنب الانجرار إلى سباق تسلح غير منضبط، أعلن بوتين استعداد روسيا للالتزام الطوعي بالحدود المنصوص عليها في المعاهدة، لمدة عام كامل بعد انقضائها في 2026، شريطة أن تتصرف الولايات المتحدة بالمثل، وألا تتخذ خطوات تقوض التوازن الاستراتيجي القائم. تم تقييم المبادرة بشكل إيجابي من قبل الولايات المتحدة، لكن حتى بداية شباط 2026، لم يتم تلقي رد رسمي منها. وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أكد موقف بلاده، بأنه «من أجل تحقيق سيطرة حقيقية على الأسلحة في القرن الـ 21، من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين بسبب مخزونها الهائل والمتنامي بسرعة». وانتهى سريان الاتفاقية بحلول 5 شباط 2026.
سياق مختلف
وُقّعت «نيو ستارت» في مرحلة كانت فيها العلاقات الروسية-الأمريكية ما تزال محكومة بمنطق إدارة التراجع. إذ جاءت المعاهدة امتداداً لسلسلة اتفاقات، وُلدت في أواخر الحقبة السوفييتية، انعكاساً لتوازن قوى نشأ بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. حين كان ميزان القوى يميل لصالح الولايات المتحدة، وكانت موسكو الخارجة من عقدين من الضعف الاقتصادي والسياسي تبحث عن تثبيت موقعها داخل نظام دولي تقوده واشنطن.
في هذا السياق، لا ترى موسكو أن أزمة «نيو ستارت» منفصلة عن السياق الأوسع للعلاقات مع واشنطن. فمع اعتبار انتهاء المعاهدة «حدث مؤسف»، تُبدي موسكو انفتاحاً على الحوار مع الولايات المتحدة، مع التشديد في الوقت ذاته على استعداد موسكو للتعامل مع كافة السيناريوهات المحتملة. ومراقبتها مدى جاهزية واشنطن لمناقشة ملفات الأمن النووي الاستراتيجي، وسط حالة من الترقب الدولي لمستقبل التوازن العسكري بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم.
من جهتها، الصين، والتي أكدت في وقت سابق التزامها سياسة «عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية»، وأن ترسانتها تقف عند الحد الأدنى اللازم للأمن القومي فقط. وعدم سعيها للدخول في سباق تسلح مع أي طرف. رفضت بشكل قاطع المساعي الأمريكية لإشراكها في أي اتفاقية نووية جديدة في الوقت الحالي، واصفةً إياها بـ «غير المعقولة». وترى بكين فيها محاولة جديدة من واشنطن لتطويق واحتواء التطور الصيني، ومحاولة لفرض إملاءات تنتمي لحقبة ماضية.
إن انهيار «نيو ستارت» وبالرغم من المخاوف المشروعة التي ترافقه، هو في الحقيقة تعبير عن توازن قوى جديد على المستوى الدولي، فإن سلسلة من المعاهدات التي دخل فيها الاتحاد السوفييتي في فترة التراجع، كانت تعبيراً عن ميزان القوى في فترة لم تعد موجودة، وظهر وضوحاً كيف استفادت الولايات المتحدة من هذه «الضوابط» لتثبيت وضعها المتقدم على المستوى الدولي في حينه، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، بل إن إصرار واشنطن على إشراك الصين في هذه المعاهدة، هو في الواقع محاولة لكبح تطورها العسكري الذي بات ضرورة ملحة للأمن القومي الصيني، ويؤدي دور الردع أكثر من كونه موجّه ضد أطراف أخرى.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264
حلا الحايك