نور الدمشقي نور الدمشقي

جولة مفاوضات إيرانية أمريكية جديدة

تشهد العلاقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة أخرى، مرحلة مركّبة، تجمع بين فتح قنوات دبلوماسية غير مباشرة، ورفع منسوب التهديد العسكري في آن واحد، فالمفاوضات التي انطلقت في سلطنة عُمان، وإن وُصفت من الطرفين بأنها «بداية إيجابية»، لا تعكس بالضرورة تحوّلاً جذرياً في طبيعة الصراع، بقدر ما تشير إلى محاولة إدارة الأزمة ومنع انفجارها، لا حلّها بشكل نهائي.

تركّز طهران بوضوح على حصر
المفاوضات بالملف النووي، وتحديداً مسألة تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات، رافضةً أي نقاش يتعلّق ببرنامجها الصاروخي، أو دورها الإقليمي باعتبارها شؤون سيادية، ليعكس هذا الموقف قراءة إيرانية لتوازن القوى، ترى أن التنازل في الملفات الأمنية يُضعف موقعها الردعي والتفاوضي نفسه، خصوصاً بعد حرب حزيران/يونيو 2025 وما رافقها من ضربات «إسرائيلية» وأمريكية لمنشآت نووية وعسكرية.

في المقابل، تحاول واشنطن توسيع جدول الأعمال، عبر ربط النووي بسلوك إيران الإقليمي، والصواريخ البالستية، وحتى الملف الداخلي و«حقوق الإنسان» بعد المظاهرات الأخيرة التي شهدتها إيران، لكن هذا الطرح يصطدم بواقع أن أي اتفاق يتجاوز النووي، سيكون شبه مستحيل، أولاً: باعتبارها تدخلات لا تقبل بها طهران. ثانياً: في ظل انعدام الثقة، وخاصة بعد التجربة السابقة في الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة نفسها.

أما «إسرائيل»، فتقف في موقع مختلف، لتضغط باتجاه إبقاء الخيار العسكري مطروحاً، بل وتدفع لتنفيذه عبر القيام بجولة عسكرية جديدة وواسعة، وتضغط على واشنطن لمنع أي تسوية لا تؤدي إلى تقويض القدرات الإيرانية بشكل عام، غير أن هذا الضغط يصطدم بحسابات أمريكية أوسع، ترى أن حرباً مفتوحة مع إيران لن تكون محدودة جغرافياً– وتؤكد إيران ذلك- وستحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، مع كلفة سياسية واقتصادية وأمنية عالية، ودون ضمان تحقيق نصر بالنسبة للولايات المتحدة أو «إسرائيل» أساساً.. فضلاً عن أن هكذا تصعيد وإن جرى، من المرجح أن يدفع معظم دول المنطقة الإقليمية بشكل أسرع للاصطفاف والتحالف سوية ضد الولايات المتحدة و«إسرائيل».

اللافت في هذه المرحلة، هو أن التصعيد غير مخفي، بل تجري إدارته: حوادث بحرية، تهديدات متبادلة، حشود عسكرية، وزيارات سياسية، كلها عناصر تُستخدم كأدوات تفاوض غير مباشرة، فواشنطن تلوّح بالقوة لتحسين شروطها، وطهران تلوّح بالردع لمنع فرض الإملاءات، فيما تحاول أطراف إقليمية، كعُمان وقطر وتركيا والسعودية، تأريض احتمالات الصراع وتعزيز الحوار والمفاوضات.
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة ستتجه حتماً إلى حرب شاملة، كما لا يبدو أن اتفاقاً نووياً سريعاً بات قريباً أيضاً، فما يجري هو سباق بين مسارين:
دبلوماسية هشّة تناور بها الولايات المتحدة، وتصعيد محسوب يذكّر بأن خيار الحرب لم يُرفع عن الطاولة، ولا يمكن استبعاده.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264