هل يردع الحضور الروسي-الصيني واشنطن من عدوان جديد على إيران؟
يشهد الملف الإيراني تطورات متسارعة، ويتحول تدريجياً إلى اختبار يجري من خلاله تظهير قدرة الإقليم على التعامل مع التهديدات، بل ودور القوى العظمى في الشرق في حماية ما تم إنجازه حتى الآن، فإن الحشود العسكرية الأمريكية التي تتجمع حول إيران من كل الاتجاهات، هي في الحقيقة محاولة لكسر التوازن في غرب آسيا لصالح المعسكر الغربي.
حمل الأسبوع الماضي تصريحات أمريكية وأوروبية متعددة، جاءت على شكل تهديدات بضربة عسكرية لإيران، لكن هذه المرة لا يجري الحديث عن البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل تشير واشنطن صراحة إلى إنهاء النظام الإيراني باستخدام القوة العسكرية، ورغم أن الحديث عن إمكانية الدخول في مفاوضات لا يزال قائماً، إلا أن طبيعة الطرح الأمريكي ليست مقبولة للنقاش من الجانب الإيراني، فما تحاول الولايات فرضه في المفاوضات يعني فعلياً رضوخاً كاملاً من جانب طهران، بل وتقديم كل أوراق القوة التي اعتمدت عليها في حماية موقعها وحقها في التنمية الاقتصادية خلال العقود الماضية، فواشنطن تتحدث عن إنهاء المشروع النووي والصاروخي الإيراني، فضلاً عن تقليص حضور إيران في مجالها الحيوي، لكن تطورات المشهد خلال الأسبوع الأخير أعادت التذكير بدور إيران في مشروع العالم الجديد الذي تقوده دول الشرق، فاستهداف إيران بهذا الشكل، هو بمثابة كسر حقيقي للتوازنات من جهة، وضربة شديدة للصين وروسيا اللتان أظهرتا حزماً شديداً بمنع الصدام، وتدعيم الموقف الإيراني عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.
قدرة الولايات المتحدة عالية لكنّها محدودة!
يظهر بشكلٍ واضح، أن تورط الولايات المتحدة بعددٍ من الحروب الصغيرة نسبياً كان له أثرٌ كبير على مخزونها الاستراتيجي من الأسلحة، فجرى خلال الأعوام الماضية استنزاف كبير على عددٍ من الساحات، من أوكرانيا إلى غزة ولبنان واليمن وحرب الـ 12 يوم الأخيرة على إيران، كل هذه الصدامات ورغم استعراض القوة العسكرية الأمريكية خلالها، إلا أنّها أدت إلى تبديد كمية كبيرة من الأسلحة النوعية، التي يظهر أن قدرات الولايات المتحدة التصنيعية عاجزة عن تعويضها ضمن آجال قريبة، ما يجعل التفكير في توجيه ضربة جديدة لإيران مسألة صعبة، وخصوصاً إذا ما كانت الاحتمالات مفتوحة لامتداد هذا الصراع لفترة طويلة، إذ استنزفت الولايات المتحدة حوالي ربع مخزونها العالمي من صواريخ ثاد، كما استخدمت القطع البحرية الأمريكية أثناء الدفاع عن «إسرائيل» خلال حرب الـ 12 يوم حوالي 80 صاروخ SM-3 من أصل 500 صاروخ موجودة في المخازن، بالإضافة إلى صواريخ منظومة باتريوت التي تجاوزت الـ 30 صاروخ خلال الفترة نفسها، ويظهر من خلال عددٍ من التقارير، أن قدرة الولايات المتحدة على ترميم كل ذلك تحتاج أكثر من سنتين إذا ظلّت مستويات الإنتاج ثابتة، والمشكلة الأكبر، أن كل ذلك جرى استنزافه في حرب مع قوة إقليمية، دون حساب ما قد تحتاجه الولايات المتحدة في صراعٍ آخر مع قوى كبرى، ما جعلها في موقع أضعف استراتيجياً، فإن زيادات القدرات التصنيعية في ظل الوضع المعقد لسلاسل التوريد، يجعل المهمة شديدة الصعوبة في الآجال القريبة.
ما سبق، يفرض على الولايات المتحدة إن تورطت في حربٍ جديدة مع إيران، أن تكون مضطرة لضبطها زمنياً وجغرافياً، وهو ما سعت إيران إلى منعه، عبر إعلانها أن ردّها سيكون كبيراً وشاملاً، وسيستهدف الأسطول الأمريكي والقواعد في الخليج والمنطقة، وأيضاً «إسرائيل» التي تحاول ألّا تظهر في الواجهة في هذه الجولة، ما يعني أن واشنطن ستجد نفسها أمام مشهد صعب، فإما أن تخرج مكسورة، أو أن تخسر كميات ثمينة من مخزونها كافية بإخراجها من المعادلة في المرحلة القادمة.
دعم عسكري روسي وصيني
خلال الشهر الماضي، ظهرت مجموعة من التقارير التي تحدثت عن إمدادات صينية لإيران مرتبطة بتصنيع الصواريخ، وتحدث المسؤولون الإيرانيون عن أن طهران استطاعت تجديد ترسانة الصواريخ، وربما تكون تجاوزت المخزونات السابقة، لكن الأسبوع الأخير بدأ يشهد كثافة أكبر في التعاون العسكري، وبدأت روسيا بنقل أسلحة متطورة إلى إيران عبر جسر جوي، باستخدام طائرات شحن عملاقة، ويجري الحديث عن أن موسكو سلّمت إيران كميات من الأسلحة، وفقاً لعقود سابقة بين البلدين، المؤكد منها طائرات مروحية هجومية من طراز Mi-28NE الملقبة بـ صياد الليل، قد تصل إلى 6 مروحيات، من شأنها أن تحسن قدرات إيران الجوية بشكلٍ ملحوظ، بالإضافة إلى تقارير أخرى عن استلام إيران لمنظومات الدفاع الجوي الروسية S400 التي جرى نشرها على طول سواحل الخليج ومدينة أصفهان، حيث أجرت القوات المسلحة الإيرانية اختباراً ناجحاً لهذه المنظومة، التي تعمل بشكل متمم للمنظومات الموجودة في إيران أصلاً، هذا بالإضافة إلى تقارير تؤكد وجود طائرات تدريب متقدمة، والتي تسهل إدخال طائرات سوخوي سو-35 من الجيل الخامس، هذا بالإضافة إلى تزويد إيران بأقمار صناعية للاستطلاع والمراقبة، ومعدات للحرب الإلكترونية، وذخائر وقطع غيار.
أما بالنسبة للصين، فبالإضافة إلى الإمدادات المتعلقة بإنتاج الصواريخ، هناك أيضاً تقارير عن أنظمة دفاع جوي، قادرة على اكتشاف الطائرات الشبحية، بالإضافة لتقديم كامل الدعم لاستخدام أنظمة الملاحة الصينية، مع معدات تعمل بالذكاء الاصطناعي، وأخرى للأمن السيبراني.
لم تكتف موسكو وبكين بتقديم الأسلحة المتطورة، بل تجاوزت ذلك بعد أن تم الإعلان عن مناورات بحرية مشتركة مع إيران خلال الأسبوع الجاري، والتي من شأنها أن تربك مخططات الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد الإعلان عن توقيع على «الميثاق الاستراتيجي الثلاثي» في 29 من كانون الثاني الماضي، وهو إطار يجمع القوى الثلاث للتنسيق في قضايا السيادة النووية، التعاون الاقتصادي، التنسيق العسكري، والاستراتيجية الدبلوماسية، وهو ما وصفته وسائل الإعلام في إيران والصين وروسيا بوصفه خطوة لترسيخ نظام عالمي لا يرتكز على المعايير الغربية فقط. ورغم أن الميثاق لا يلزم بالتدخل العسكري المباشر، إلا أنه يعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط الدفاعي المنسق، وتطوير القدرة على العمل العسكري المشترك، ما يفتح المجال أمام الصين وروسيا للعب دور أكبر في أي صراع محتمل.
لماذا هذا التركيز على إيران؟!
السؤال حول إمكانية تورط الولايات المتحدة في حرب جديدة لا يزال مطروحاً، ولا يمكن الإجابة عنه بشكلٍ حاسم، لكن المشهد الحالي كما نراه يظهر خطورة هذه الخطوة بكافة المقاييس، فخسائر الولايات المتحدة إذا أقدمت على مغامرة كهذه ستكون هائلة، وغير قابلة للتعويض، إلا أن الولايات المتحدة المأزومة تحاول قراءة المشهد من جوانب متعددة، فمن جهة تبدو فكرة إسقاط النظام في إيران مخرجاً مؤقتاً من الأزمة الحالية، لما سيكون له من تداعيات كارثية في منطقة غرب آسيا، والتي يتردد صداها إلى الصين وروسيا، فبالنسبة لبكين تشكل إيران حجراً أساسياً في مشروع الحزام والطريق، ومنفذاً لها بعيداً عن مضيق ملقا، الذي يمكن للولايات المتحدة أن تغلقه في حال صدام مع الصين، والذي يعد واحداً من الممرات الاستراتيجية بالنسبة لبكين، فوجود بنية تحتية في إيران، يمكن أن يحل هذه المشكلة، ويمنع حصار الصين، ويسمح لها بالحفاظ على خطوط تجارية بديلة، لهذا يمكن أن يكون الطريق لتقويض قدرات الصين يمر حكماً عبر إسقاط إيران، لكن الفشل الأمريكي في تحقيق ذلك يعني أولاً هزيمة عسكرية، لكنه أيضاً يجعل من التفكير في مواجهة مع الصين مسألة مستحيلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263