هل ستكون أوروبا القربان على مذبح الهيمنة الأمريكية؟!
ديمة النجار ديمة النجار

هل ستكون أوروبا القربان على مذبح الهيمنة الأمريكية؟!

على مدى عقود، سُوِّقت العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة باعتبارها شراكة متماسكة لا يشوبها تناقض جوهري. شراكة عبر الأطلسي تقوم على ما يُسمّى «القيم الغربية المشتركة»، والتشابك الاقتصادي، والحماية العسكرية ضمن ما عُرف بالنظام «القائم على القواعد». غير أن هذه الرواية تتصدّع اليوم بوضوح. ويذهب الإعلام الأوروبي السائد، بتبسيط مخلّ، إلى اختزال هذا التصدّع في شخص دونالد ترامب، مقدّماً أنانيته ونرجسيته سبباً رئيسياً لهشاشة العلاقات الأوروبية-الأمريكية، دون النظر إلى البنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وأنتجت هذه التبعية أصلاً.

في الواقع، لم يبدأ اختلال العلاقة مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بل تكشف مع اشتداد الأزمة العالمية التي تضرب الاقتصاد الرأسمالي، وتقوّض موقع الولايات المتحدة الدولي. فللدفاع عن موقعها، لم تتردد واشنطن- وعبر ترامب- في استخدام أدوات الضغط القصوى، خاصة مع الحلقات الأضعف، ومنها: الاتحاد الأوروبي. فأُدرجت دوله في قوائم الرسوم الجمركية، وأُجبرت معظمها على رفع إنفاقها العسكري في الناتو، ودُفعت إلى الانخراط في صراعات استراتيجية لا تملك بالضرورة قرارها، ولا مصلحة مباشرة فيها كالحرب مع روسيا. وجاءت قضية الاستيلاء على غرينلاند كلحظة كاشفة إضافية، أظهرت أن سيادة دول حلف شمال الأطلسي نفسها ليست محصّنة من الابتزاز الأمريكي.


تبعية أوروبا تأسست قبل ترامب


ليست هشاشة موقع أوروبا في علاقتها مع الولايات المتحدة أمراً طارئاً، بل هي نتيجة مسار طويل يتّسق مع الاستراتيجيات الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن اللحظة المفصلية التي تبلور فيها هذا المسار بوضوح، جاءت في أوائل التسعينيات مع انهيار حلف وارسو. آنذاك، طُرحت تصوّرات لمستقبل القارة، من بينها: حلّ حلف شمال الأطلسي، وعودة القوات الأمريكية إلى داخل حدودها، وبناء منظومة أمن أوروبي مشتركة تضم روسيا، بما يضع حداً لاحتمال اندلاع الحروب في أوروبا.
لكن هذه التصوّرات قوبلت برفض أمريكي قاطع. ويُعدّ ما عُرف لاحقاً بـ«مبدأ وولفوفيتز» (Wolfowitz Doctrine)، الوارد في وثيقة توجيهات التخطيط الدفاعي لعام 1992، من أكثر النصوص تعبيراً عن هذا الرفض. فقد صاغ بول وولفوفيتز، نائب وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني، عقيدة استراتيجية تقوم على منع ظهور أي ترتيب أمني مستقل في أوروبا، قد يفضي إلى تهميش حلف الناتو، أو تقليص الهيمنة الأمريكية داخله. ولهذا السبب، رُفضت سريعاً مقترحات ضمّ روسيا إلى الحلف، خشية إدخال قوة نووية كبرى من شأنها الإخلال بتوازن القوى في الناتو.
اقتصادياً، كان ثمة تراجع في أرباح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي خلال التسعينيات، فعمل لوبي الصناعات العسكرية الأمريكي على إنفاق ما يقارب 51 مليون دولار (بأسعار 1992) للدعم الإعلامي والسياسي لفكرة توسيع الناتو شرقاً. فتنشط الطلب على الإنتاج العسكري بصورة كبيرة، إذ اضطرت الدول الأوروبية المنضمّة حديثاً للناتو إلى إنفاق عسكري ضخم، غالباً عبر الاقتراض، وعلى حساب شعوبها. وهكذا غدا انتشار الناتو والقواعد العسكرية الأمريكية مرادفاً لتوسّع المجال الحيوي للهيمنة الأمريكية داخل أوروبا.
كيف تخطط أوروبا
للرد على الضغوط الأمريكية؟
ضمن هذا الورطة، تحاول بعض النخب الأوروبية أن تتجاهل السياق التاريخي للهيمنة الأمريكية، وأن تروج لضرورة الانحناء للعاصفة، ريثما تأتي الانتخابات القادمة التي قد تطيح بترامب. في حين يرى البعض الآخر، أن خيار الانتظار والانحناء هو انتحار سياسي للبرجوازية الأوروبية. ولا سيما أن دولاً أخرى، اعتادت أوروبا ذات الذهنية الاستعمارية أن تنظر إليها باستعلاء، نجحت إلى حدّ بعيد في مقاومة حروب الرسوم الجمركية الأمريكية كالصين والهند والبرازيل. هذه الدول لم تتجنّب الخسائر الآنية، لكنها منعت تحوّل الابتزاز إلى قاعدة دائمة للعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.

ويبدو أن مقاومة دول الجنوب شجعت الاتحاد الأوروبي على التلويح باستراتيجية تبدو فيها دولها أكثر صرامة مع واشنطن، وأقل انبطاحاً. ثمة تباين كبير بين دول الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع واشنطن، لكن السمت العام حالياً في بروكسل يميل نحو مسار تصعيد تدريجي. تبدأ الخطط بقوائم تعريفات جمركية انتقامية تستهدف صادرات أمريكية مختارة، يليها في حال فشل الردع اللجوء إلى ما يُعرف بـ«أداة مكافحة الإكراه» الأوروبية، التي تُوصف إعلامياً بـ«سلاح البازوكا». هذه الأداة تتيح للاتحاد فرض قيود تتجاوز الرسوم الجمركية، وتشمل تقييد وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق الأوروبية، والمشتريات الحكومية، وقطاعات الخدمات والاستثمار. وفي مرحلة تصعيد أعلى، يُطرح استهداف قطاع التكنولوجيا الأمريكي، حيث تشكّل أوروبا أحد أكبر أسواقه العالمية. أما على المدى البعيد، يجري الحديث عن بناء قدرات عسكرية أوروبية بالتوازي، وليس كبديل للناتو وعن «الاستقلال الاستراتيجي» عبر تنويع الشراكات الاقتصادية بالتوجه إلى الصين، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول أمريكا اللاتينية، عبر تكتل ميركوسور. إلا أنه من المشكوك بأمره ألا تزيد هذه الخطوات التوتر الأمريكي/ الأوروبي، خاصة أن تفعيل مبدأ مونرو في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الأخيرة، يمنع أي منافس للولايات المتحدة من تأسيس موطئ قدم في نصف الكرة الغربي.
إن هوامش تحرك الأوروبيين أشد ضيقاً من دول الجنوب، التي بات معظمها يعمل في إطارات تحالفات مختلفة كالبريكس ومنظمة شنغهاي، والتي تقدم لهم هوامش كبرى للمانعة لا تملكها أوروبا بعد. ربما هذا هو السبب الذي أدى لظهور أصوات، في ألمانيا مثلاً، تطرح مساراً مختلفاً أكثر جذرية. فقد شكّك حزب تحالف سارة فاغنكنيشت (BSW) في السياسة الألمانية تجاه الولايات المتحدة برمّتها. ودعا رئيس الحزب، فابيو دي ماسي، إلى إجراءات تتجاوز الردود التجارية، كإلغاء نشر الصواريخ الأمريكية في ألمانيا، وإعادة تشغيل خط «نورد ستريم» في إطار تسوية سياسية للحرب في أوكرانيا، بهدف تقليص الاعتماد على الغاز الأمريكي.


كيف تتحرك رؤوس الأموال الأوروبية في خضم الأزمة؟


بينما تتردّد العواصم الأوروبية بين التهدئة والمواجهة، يتحرّك رأس المال الأوروبي، وخاصة الألماني وفق منطق أكثر وضوحاً: يهرب إلى حيث معدلات الربح الأعلى. فقد أظهرت بيانات المعهد الاقتصادي الألماني (IW) ارتفاع الاستثمارات الألمانية في الصين إلى أكثر من سبعة مليارات يورو خلال عام 2025، بزيادة تفوق عامي 2024 و2023 بـ 55% بحسب رويترز، مع تركّز رئيسي في قطاعي السيارات والصناعات الكيماوية. في المقابل، تراجعت الاستثمارات الألمانية في الولايات المتحدة بنسبة 45% في العام نفسه، وانخفضت الصادرات الألمانية إلى السوق الأمريكية بنسبة 8.6% وهو أكبر تراجع منذ عام 2010، نتيجة الرسوم الجمركية وتقلبات الدولار. إن تجربة ما قبل الحرب العالمية الثانية تذكّر بأن رأس المال لا يلتزم بالتحالفات في لحظات الأزمات، بل يواصل التحوّط والتنويع في الاستثمار مع تسعير المخاطر، وضمنها احتمال انفجار الحرب، إذ باندلاعها تفرض الدول الاصطفاف بالقوة. أثناء الحروب العالمية يصعب على رأس المال أن يتحرك عولمياً، ولا بد أن يتحرك على صعيد حدود الدول فيحمي نفسه عبر هذه الاستراتيجية.

في خضمّ السجال حول الرسوم والتحالفات و«الاستقلال الاستراتيجي»، يُهمَّش العامل الأهم: الشعوب الأوروبية نفسها. فالبطالة المتصاعدة، وتآكل الأجور، وتراجع الإنفاق الاجتماعي ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على نقل كلفة الأزمة من رأس المال إلى حياة الناس اليومية. والسؤال الجوهري لم يعد كيف ستعيد أوروبا ترتيب موقعها بين واشنطن وبكين، بل إلى أي مدى يمكنها إدارة أزمتها على حساب شعوبها؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263