منتدى دافوس «صورة تذكارية» للعالم الغربي قبيل انهياره!

منتدى دافوس «صورة تذكارية» للعالم الغربي قبيل انهياره!

ليس من المبالغة القول: إن العالم بشكله الذي عرفناه لعقودٍ مضت يتغير، فمن خلال نظرة فاحصة على كامل مساحة الكوكب، يمكن أن نشهد صراعات وتحولات بعضها بالحدود السياسية، وأخرى بالأنظمة، وثالثة بالتحالفات والاصطفافات وغيرها، لكن المسألة الأصعب تظل في فهم الاتجاه العام للتطور، بل وفهم العلاقة القائمة بين كل هذه البؤر التي يصر البعض على فصلها وتفسيرها بشكلٍ منعزل عن بعضها بعض، من هنا جاءت الدورة الجديدة من منتدى دافوس الاقتصادي لتمكننا من رؤية المشهد كاملاً.

عشرات الملفات حول العالم تتحرك بسرعة كبيرة حتى يكاد من الصعب الإحاطة بها، ولكل منها خصوصيته وظروفه، لكن لحظات محددة تتجلى بوصفها «صورة فوتوغرافية» للعالم في لحظة سكونٍ نسبي، تضع أمامنا مشهداً تاريخياً، تظهر فيه وضوحاً نهاية العالم القديم وتفككه، وهذا تماماً ما نراه في «صورة دافوس 2026».


بعض ما قيل في المنتدى


كان منتدى دافوس تاريخياً مساحة لصياغة سياسات العالم الغربي، الذي كان حتى فترة قريبة القوة الأساسية التي تضع القواعد، حتى بات مصطلح «العالم القائم على القواعد» بمثابة تحريف للقواعد التي جرى وضعها بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت «القواعد الجديدة» طريقة للتعبير عمّا تريده الولايات المتحدة، وظل حلفاؤها من الدول الغربية الأخرى في موقع الداعم لهذا التوجه، لكن ومع اشتداد الصراع على الساحة الدولية، وتعقد الأزمة داخل الولايات المتحدة نفسها، وجدوا أنفسهم موقع الضحية، فحسابات الولايات المتحدة تتغير تحت وطأة الواقع الموضوعي، وكانت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وغيرها من أقطاب العالم الغربي أول الضحايا، فبدلاً من موقع الحليف الذي طمحوا له سابقاً، يجدون أنفسهم اليوم مستهدفين، ويجري التفريط بهم، ولكن بدلاً من إدراك طبيعة التغيير الجاري، ذهبوا لتفسيرات بعيدة عن الواقع، فما يجري في العالم اليوم بنظرهم ما هو إلا صراع بين «إمبراطوريات كبرى» وجل ما يطمحون له هو إيجاد مساحة للحركة، بعد إدراكهم أنّهم وللمرة الأولى منذ قرون يجلسون على هامش التاريخ.

في هذا السياق، اعترف شارل ميشال الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، أثناء أعمال منتدى دافوس: أن «العلاقة عبر الأطلسي بصيغتها التي عرفناها على مدى عقود انتهت» ومن جانبه قال الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش في وصفه للمزاج العام في «دافوس»: «لا أحد يضحك، ولا أحد يبتسم، لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيحمله الغد»، أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فرأى فيما يجري تضحيةً بـ «القوى المتوسطة» واعتبر أن هذه القوى أمام فرصة أخيرة لتعمل بشكلٍ جماعي، وقال محذّراً: «إما أن نكون على الطاولة، أو نكون على قائمة الطعام» وأشار أن ما يشهده العالم أشبه بحالة القطيعة، بعد أن «بدأ العالم القائم على القواعد يتلاشى لصالح حقبة تسودها منافسة القوى العظمى» وشدد في الوقت ذاته على ضرورة «رؤية العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون» ما يستوجب من وجهة نظره «التوقف عن التظاهر بأن النظام القديم لا يزال يعمل».
أيّد الرئيس الفرنسي من جانبه هذا التوجّه، واعتبر إيمانويل ماكرون أن
«العالم يمر بمرحلة انتقالية نحو الفوضى، حيث يُداس القانون الدولي، وتبرز الأطماع الإمبراطورية»، أمّا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فقد دعت صراحةً لتقليل الاعتماد على الدولار والهيمنة النقدية الأمريكية، هذا فضلاً عن شبه إجماع في مواقف القادة الأوروبيين على ضرورة قبول فكرة أن المظلة العسكرية الأمريكية قد انتهت، وهم مضطرون لإيجاد بدائل مستقلة.


«الولايات المتحدة أولاً»


كانت الولايات المتحدة من خلال حضورها الكثيف في المؤتمر، إذ كان الوفد الأمريكي الأكبر منذ تاريخ تأسيس المنتدى، وكان التركيز الأساسي على إرسال رسالة واحدة: هي «أمريكا أولاً» وتعامل الرئيس الأمريكي مع المنتدى بوصفه منصة لإعلان هذا التوجّه، وتأكيد رسوخه في السياسية الأمريكية، منطلقاً من أن الولايات المتحدة تمثّل «معجزة اقتصادية والمحرك الاقتصادي للكوكب» وعلى هذا الأساس بدا من المنطقي أن تضع نفسها في موقع الأولوية، فعلى الأطراف الأخرى في العالم الغربي أن تقبل هذه الحقيقة، وأن تراعي رؤية واشنطن الاستراتيجية، فبدلاً من التمسك بما أسماه ترامب «قطعة من الجليد» (في إشارة إلى غرينلاند) يجب أن يقّدم «الأتباع» كل ما يملكون دون أي مقابل يذكر، بل وعليهم أيضاً أن يقبلوا بأن المؤسسات الدولية القائمة، وكل قواعد التجارة وغيرها من تلك التي كانت قائمة خلال العقود الماضية قد انتهت، والمطلوب منهم اليوم تركها تتعفن وحدها، والانتقال إلى هياكل وقواعد جديدة تضعها واشنطن لخدمتها وحدها.
لم يحاول الرئيس الأمريكي تقديم طروحات للنقاش بقدر ما جاء بقائمة من الطلبات والانتقادات للأطراف الأخرى، وبدلاً من تحمّل مسؤولية بلاده عن هذا الوضع المأساوي، حاول بشكلٍ واضح تحميل كلّ ذلك للأطراف الأخرى في محاولة للخروج منتصراً!


ظاهرة عالمية أم غربية!


إن المشهد الصادم للعالم الغربي اليوم لا يمكن إنكاره، لكن قراءة تصريحات القادة الأوروبيين والشخصيات المؤثرة المشاركة في دافوس، ورغم كونها تعبّر فعلاً عن حجم المشكلة، إلا أنّهم لا يعترفون حتى اللحظة بأن ما يعيشونه في هذه الأيام ليس «ظاهرة عالمية» بل هي في الحقيقة «ظاهرة غربية» فما يجري اليوم هو تفككٌ للعالم الغربي، الذي أرخى بظلّه الأسود على العالم لعقود، وإن ما نقرأه ونسمعه من قادة هذا العالم هو ببساطة إعلان لتفكك هذا التحالف، وإنهاء أدواته الضاربة في الاقتصاد والعسكرة، فإذا ما ابتعدنا قليلاً عن دافوس إلى بقية الكرة الأرضية، يبدو المشهد مختلفاً كلّ الاختلاف، فهناك لا توضع «الدول المتوسطة» على طاولة الطعام، بل يجري بناء تحالفات متوازنة وشاملة، تأخذ فيها كل دولة حيزاً موضوعياً للحركة، يتماشى مع قدراتها وأوزانها الاقتصادية، وبدلاً من فرض الأجندات الواحدة، يعاد صياغة شكل جديد للعلاقات الدولية والتكامل الاقتصادي.

ما يجري اليوم في الشرق وأفريقيا وغرب آسيا، هو نتيجة عمل حقيقي بدأ قبل سنوات طويلة، وكان في الواقع خطوة استشرافية باكرة، بدأنا نرى نتائجها، بينما يبدو الواقع في الجزء الغربي من العالم متخلفاً ومتأخراً، فالخطط التي يجري نقاشها اليوم، والمقترحات التي يطرحها الأوروبيون كان يمكن أن تعيش لو كانت طرحت قبل عقدٍ من الزمن! أما الآن فقد تجاوزها الزمن، وأقصى ما تستطيع الدول التي دارت في الفلك الأمريكي سابقاً فعله، هو أن تبني شراكات ضمن القواعد الجديدة، قواعد العالم الجديد.
ما سبق، لا يعني أننا لا نشهد تغيراً على المستوى العالمي، بل إن تفكك الكتلة الغربية هو اليوم جزء من هذا التحول، ونتيجة طبيعة لتراجع الدور، وهذا لا يخص دول الاتحاد الأوروبي، أو كندا فحسب، بل يشمل الولايات المتحدة نفسها، فبعيداً عن ادعاءات ترامب، لا أحد ينظر اليوم إلى الولايات المتحدة بوصفها «المحرّك الاقتصادي للكوكب» وإن كانت واشنطن تعمل على تحسين موقعها الاستراتيجي، فذلك في الواقع اعتراف بأنّها في موقع متأخر، وإن تفكيك العالم الغربي الهيمنة على ما تبقى فيه من ثروات هو التوجّه الأمريكي الحقيقي، ففي أزمة كالتي تعيشها الولايات المتحدة، لم يعد هناك حيّزٌ للشركاء، بل لأتباع ضعفاء خاضعين كليّاً

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262