مجلس سلام ترامب… غاياته وإمكاناته
في لحظة دولية تتسم بتآكل النظام العالمي القائم، وتزايد الشكوك بجدوى مؤسساته بالشكل الذي هي عليه الآن، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليطرح مبادرة جديدة تحمل عنواناً جذاباً ومضموناً إشكالياً: «مجلس السلام»، مبادرة تبدو، في ظاهرها، استجابة لحالة الفوضى الدولية، لكنها في جوهرها تعكس رؤية أمريكية أحادية لإعادة إنتاج الهيمنة خارج أطر القانون الدولي ومؤسساته التقليدية.
حين أُعلن عن «مجلس السلام» للمرة الأولى، قُدِّم بوصفه أداة للتنفيذ والإشراف على المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام الخاصة بقطاع غزة، على اعتبار أن المجلس يستند إلى قرار دولي صادر عن مجلس الأمن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، غير أنّ ترامب سرعان ما وسّع نطاقه، مؤكداً: أن عمل المجلس لا يقتصر على غزة، بل يشمل أي بقعة في العالم.
ووقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» رسمياً من دافوس في الـ 22 من الشهر الجاري، على هامش «منتدى الاقتصاد العالمي»، وبمشاركة عدد من الدول التي لا يوجد بينها أيّ من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، باستثناء الولايات المتحدة نفسها.
وينصّ ميثاق المجلس على أن دونالد ترامب هو رئيسه الدائم، ما لم يتقدّم باستقالته أو يعيّن خليفة له، كما يشترط على أي دولة تسعى للحصول على «عضوية دائمة» لأكثر من ثلاث سنوات دفع مبلغ مليار دولار، ويشير مختصون إلى أن ترامب يستطيع الاستمرار في رئاسة المجلس حتى في حال لم يعد رئيساً للولايات المتحدة مستقبلاً، على أن تعيّن واشنطن حينها ممثلاً آخر لها إن رغبت بذلك.
ومن بين الدول التي أعلنت انضمامها أو رغبتها بالانضمام: الأرجنتين، البحرين، المغرب، باكستان، تركيا، السعودية، مصر، بيلاروسيا، و«إسرائيل». في المقابل، أعلنت كل من المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا، السويد، والنرويج رفضها الانضمام، فيما لم تؤكد روسيا والصين والهند موقفها رسمياً بعد.
منافسة الأمم المتحدة
لا يمكن قراءة هذا المجلس بمعزل عن التحولات الدولية الأوسع، وتغيّر موازين القوى العالمية، والتشكيك المتزايد بفعالية القانون الدولي القائم، المتمثل بميثاق الأمم المتحدة ودور مجلس الأمن في حل الأزمات والحفاظ على السلم العالمي، يضاف إلى ذلك السلوك الأمريكي الأحادي في ملفات متعددة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مروراً بفنزويلا وغرينلاند، وبما يتعارض حتى مع مصالح حلفائها التقليديين قبل خصومها أساساً، كأوروبا و«إسرائيل» واليابان، فضلاً عن إعلان واشنطن انسحابها من 66 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، وآخرها منظمة الصحة العالمية.
تسعى الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، إلى التملّص من التزاماتها الدولية، ولو شكلياً وبروتوكولياً، لصالح ممارسة الغطرسة السياسية، وتأمين المصالح بالقوة العارية، بعيداً عن منطق القانون الدولي والحقوق المنصوص عليها في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وبقية مؤسسات ومنظمات ما بعد الحرب العالمية الثانية، والنظام الدولي الذي نشأ آنذاك، ذلك أنها لم تعد قادرة على السيطرة على هذه المؤسسات وتأمين مصالحها من خلالها، وسط صعود قوى جديدة.
في هذا السياق، يُنظر إلى «مجلس السلام» كمحاولة مباشرة لتقويض دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإنشاء جسم موازٍ تديره واشنطن، وتحديداً تيار ترامب، انطلاقاً من موقع «قوة العطالة» الحالي، وكما قال بروفسور القانون الدولي الأمريكي مارك ويلر في صحيفة نيويورك تايمز: «إنه هجوم مباشر على الأمم المتحدة… وغالباً ما يُنظر إلى هذه المبادرة كمحاولة استيلاء على النظام الدولي من قبل شخص واحد وعلى هيئته» ... ووفق الصحيفة نفسها، حين سُئل ترامب عما إذا كان المجلس سيستبدل الأمم المتحدة، أجاب: «ربما».
ويأتي هذا المسار الأميركي على النقيض وبالضد مع توجه قوى العالم الجديد، وفي مقدمتها روسيا والصين والهند، التي تقر بالمشاكل القائمة في المؤسسات الدولية، لكنها تسعى إلى إصلاحها وتمكينها وتكييفها مع الوضع الجديد، وتحديداً في مجلس الأمن، بما يعكس موازين القوى الجديدة، ويضمن تمثيلاً أوسع لدول الجنوب العالمي الفقيرة، فبالنسبة للقوى الصاعدة تكمن المشكلة في المؤسسات الدولية بكونها نشأت وفق توازن قوى محدد بعد الحرب العالمية الثانية، ثم مع تغير هذا التوازن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بات للولايات المتحدة اليد الطولى، وجرى تهميش كل القوى الأخرى بدلاً من إشراكها.
كلمة حق لواشنطن بمقابل بروكسل
مع ذلك، لا بد من الإقرار بأن تيار ترامب يرى ويعترف فعلياً بتغيّر موازين القوى الدولية، ويحاول، وإن بأساليب أحادية، إبطاء هذا التحول وتداعياته، ويستبق الأحداث لتأمين ما يمكن تأمينه قبل فوات الأوان، وهو بذلك يختلف عن الدول الأوروبية التي لا تزال متمسكة بالنظام الدولي القديم، وسياسات الليبرالية والعولمة التي أكل عليها الدهر وشرب، وتقنع نفسها بامتلاكها وزن وقوة فقدتهما منذ زمن، فلم تخسر أمام روسيا على جبهة الأوكرانية وترفض الاعتراف بذلك فحسب، ولم تكتفِ بخساراتها الاقتصادية أمام بكين وواشنطن أيضاً، وإنما باتت أمام مواجهة سياسية وأمنية مباشرة على الجبهة الغربية مع الولايات المتحدة نفسها كذلك، و«غرينلاند» ليست سوى أحد العناوين بهذا السياق، وما يفتأ المحللون والسياسيون الأوروبيون من الإعراب عن «تفاجئهم» مما يجري حولهم، وكأنهم يعيشون بعالم آخر، هو تماماً ذاك العالم القديم.
إمكانية نجاح مجلس ترامب
إن حقيقة أفول العالم القديم، بموازينه وقانونه ونظامه وتمثيلاته، لا تعني أن النظام الدولي الجديد قد تبلور واستقر بعد، بل يحتاج مزيداً من الوقت حتى يستقر بشكله الجديد، وسيجري ذلك في ظل صراعٍ بطيء ويجري بالنقاط، لكنه ثابت الاتجاه بين قوى العالمين، فضلاً عن أن الشعوب لم تبدأ بالإمساك بزمام المبادرة بعد لتصدّر ممثليها وإراداتها فعلاً.
ضمن هذا الزمن الانتقالي، تحاول النخبة الأمريكية ما تحاوله لتقليص خسائرها، وبهذا السياق قد يكون لـ«مجلس السلام» دور محدود على المدى القريب، يخدم حصراً مصالح الولايات المتحدة، انطلاقاً من موقع قوة مؤقت، وليس استقراراً أو سلاماً حقيقياً لأي دولة أخرى، وضمن هدف أوسع يتمثل في عرقلة تشكّل النظام الدولي الجديد، وضمناً مساعي إصلاح الأمم المتحدة ومؤسساتها.
أما على المدى البعيد، فمصيره لا يختلف عن مصير مؤسسات أكثر رسوخاً بكثير كانت نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، من حلف شمال الأطلسي «الناتو» إلى الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى السؤال الأوسع حول مدى امكانية استمرار وجود الولايات المتحدة «متحدة» بالشكل الذي نعرفه اليوم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262