مظاهرات إيران... الاحتمالات مفتوحة!
تشهد إيران منذ أيام موجة احتجاجات جديدة على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، وغلاء الأسعار، وانهيار قيمة العملة الوطنية... هذه الاحتجاجات، التي بدأت من الأسواق والجامعات وامتدت إلى عدة مدن في الأقاليم، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، ولا عن البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها إيران منذ سنوات.
حالة التظاهر بالمعنى العام هي فعل مشروع وطبيعي في أي مجتمع، خاصة حين يواجه ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، وتآكلاً في القدرة الشرائية، وتضخماً يلامس الأربعين في المئة، كما هو الحال في إيران اليوم؛ فما يعيشه المواطن الإيراني من ضغوط معيشية حقيقية لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه، وهو تعبير مباشر عن أزمة اقتصادية مركبة، تضع إيران ونظامها السياسي وتحديداً طريقة توزيع الثروة ضمنها، أمام استحقاقات كبرى لا يمكن القفز فوقها.
مع ذلك، فإن الافتراض بأن الأزمة في إيران داخلية بحتة هو افتراض خاطئ بالضرورة، وهو تجاهل لحقيقة أساسية، تفيد بأن الاقتصاد الإيراني يعمل منذ أعوام تحت وطأة حصار غربي قاسٍ وخانق، تقوده الولايات المتحدة وتدعمه «إسرائيل»، استهدف بشكل مباشر العملة، والقطاع المصرفي، والنفط، والتجارة الخارجية.
هذا الحصار، بأدواته المختلفة، يعد عاملاً أساسياً في خنق الاقتصاد الإيراني، ودفع الريال إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار، بما ينعكس تلقائياً على حياة الناس اليومية. من هنا، فإن أي مقاربة جدية للاحتجاجات لا بد أن تضع المسؤولية المختلفة في مكانها الصحيح، بعيداً عن السرديات التي تختزل الأزمة في عامل واحد فقط.
ليس مستغرباً، بطبيعة الحال أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» تسعيان بوضوح إلى استثمار هذا المناخ الاجتماعي المتوتر؛ فالدعوات العلنية الصادرة عن الموساد «الإسرائيلي»، والتصريحات الأمريكية الملوّحة بالتدخل، أوضحت أن هناك محاولة مكشوفة لتغذية الاحتجاجات، ودفعها نحو مسارات أكثر تصعيداً، بما يفتح الباب أمام توترات سياسية واجتماعية أوسع داخل إيران. وهذا لا يعني، بحالٍ من الأحوال، أن المتظاهرين مجرد أدوات خارجية، بل يعني أن حراكاً اجتماعياً مشروعاً تجري محاولة دفعه للتحول إلى ساحة صراع مفتوحة ضد أهدافه بالذات، عبر استدراجه إلى لعبة القوى الدولية.
ما يمكن تسجيله في المظاهرات الجديدة في إيران، مقارنة بتلك التي جرت في «الثورة الخضراء» عام 2009، وفي عدة تحركات تلتها، أنه قد جرى تركيز نضالات الشعب الإيراني بشكل أوضح وأكبر باتجاه المسألة الاقتصادية-الاجتماعية؛ وهذا نتاج مباشر لحزمة الإجراءات التي بدأ تنفيذها منذ تولي بزشكيان على المستوى الاجتماعي؛ وخاصة ما يتعلق بأساليب حياة الناس ومجال وجود وحركة واستقلال المرأة في إيران.
هذه الإجراءات التي بدت «تنازلاً» في حينه، يتضح اليوم أنها كانت ضرورية جداً، لأن التلاعب بها كان مسرحاً أساسياً لنمط محدد من العمل المعارض، أي النمط المرتبط بقسم منه بالغرب بشكل مباشر. مع تحييد هذا النمط من التناقضات الثانوية، بات النضال الشعبي الإيراني في إطار الاتجاه الاقتصادي الاجتماعي أكثر وضوحاً، وربما أكثر قدرة على تحقيق إنجازات فعلية.
ما ينبغي رصده والانتباه إليه، أن الولايات المتحدة و«إسرائيل»، ستحاولان الضغط باتجاه حرف التحركات نحو الفوالق القومية والدينية والطائفية، وإبعادها عن المحتوى الاقتصادي الاجتماعي، وبما يؤدي إلى حدوث تفجير داخلي كبير.
بالمقابل، فإن النظام السياسي في إيران أمام اختبار حقيقي حول طبيعته الجوهرية، التي يحددها توجهه الاقتصادي الاجتماعي قبل أي شيء آخر... وهذه الاحتجاجات نفسها يمكنها أن تتحول إلى فرصة حقيقية للتحول من «اقتصاد الحرب والحصار» إلى اقتصاد أعلى إنتاجية وأكثر قدرة على الاستدامة، ولكن شرط ذلك هو إعادة توزيع الثروة داخلياً لمصلحة الغالبية المفقرة في إيران... إن حصل ذلك، فإن الآفاق ستكون مفتوحة أمام إيران نحو ازدهار حقيقي، وإن لم يحصل فإنها ستكون في حالة ضعف وخطر مستمر، وستبقى احتمالات تفجير الفوالق الطائفية والقومية والدينية مرتفعة...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259