هل تكون فنزويلا ثمناً للتراجع الأمريكي؟
في الساعات الأولى من يوم السبت كانون الثاني 2026، نفّذت الولايات المتحدة واحدة من أخطر عمليات البلطجة غير المسبوقة، بعد اعتقلت قوّات النخبة الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من القصر الرئاسي، في جزء من عملية استخباراتية وعسكرية خاطفة ومنسقة، لننتقل إلى مرحلة جديدة داخل فنزويلا لا يمكن التنبؤ بملامحها بسهولة.
إن موقف الولايات المتحدة المعادي للنظام السياسي القائم في فنزويلا يعود إلى أكثر من عقدين من الزمن، وتحديداً بعد وصول الرئيس السابق هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، وانتهج مساراً يركز على تأميم الثروات، وإخراج الشركات الأمريكية من المعادلة، والاستحواذ على شركات النفط، وتسخير مواردها لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مشروع تشافيز الطموح شكّل حالة من الاستقطاب في أمريكا اللاتينية، وتحديداً نظراً لإمكانيات فنزويلا الكبيرة، وهو ما حوّلها سريعاً إلى رأس حربة في القارة اللاتينية، وجعلها هدفاً مهماً للولايات المتحدة التي رأت أنها خسرت موقعاً متقدماً في الجنوب.
تجربة فنزويلا، ورغم إنجازاتها الواسعة، ظلّت تعاني من مشكلات في بنية الاقتصاد، ومع الوقت ازداد نفوذ فئات واسعة من الفساد، التي كانت تسيطر بشكل متزايد على حصة أكبر من الثروة الوطنية، لكن اختطاف الرئيس من داخل البلاد، واقتياده مكبلاً إلى الولايات المتحدة هو في الحقيقة مسألة أوسع بكثير وأشد تعقيداً من الوضع الداخلي.
نسخة مطوّرة من الهجوم المركب!
إن مراقبة ما جرى في فنزويلا خلال الساعات القليلة الماضية يبدو للوهلة الأولى كما لو أنّه برهان على «القدرات الخارقة للولايات المتحدة الأمريكية» فالقصة المتداولة حتى اللحظة تقول: إن الجيش الأمريكي نفّذ هجوماً منسّقاً عبر الجو والبر والبحر، ووجّه أثنائه ضربات إلى عدد كبير من المنشآت العسكرية والحيوية مع تشويش إلكتروني واسع لشل الرادارات والدفاعات الجوية الفنزويلية، ثم وخلال ساعتين و20 دقيقة تم إلقاء القبض على الرئيس وزوجته من القصر الرئاسي، دون أن تعلن الولايات المتحدة عن أي ضحايا أثناء هذه العملية! لكن ورغم الصدمة الكبيرة الناتجة عن عملية بهذا الحجم، يظهر بشكلٍ واضح أن الولايات المتحدة لم تكن لتنجح بهذه العملية دون إسناد جدي من داخل المنظومة نفسها، وهو ما عملت عليه طوال سنوات، وتحديداً خلال الأشهر الأخيرة، فتركيز الضغط الإعلامي والسياسي على الرئيس تحديداً، وتنفيذ حصار بحري مع تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، كان الغرض منه استقطاب فئات الفساد الموجودة في الداخل، والتي ترى مصلحة في تغيير هوية النظام بشكلٍ رسمي بعد سنوات من الانزياح الفعلي.
التراجع الأمريكي هو كلمة السر!
إن ما جرى في فنزويلا هو في الواقع تأكيد جديد على انتهاء الأحادية القطبية والتراجع الأمريكي، فكانت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلنت بشكلٍ متكرر، أنّها مضطرة في ظل الظرف الدولي القائم للتركيز على البيت الداخلي والمحيط الحيوي، وألّا تسرف في تبديد مواردها في صراعات بعيدة عنها، مثل: آسيا وأوروبا وأفريقيا، بدلاً من ذلك كان التركيز واضح حول الأمريكيتين، فإن انتهاء الهيمنة الأمريكية على المستوى العالمي أمرٌ حتمي، ولذا يتطلب من وجهة نظر فريق ترامب تحضير البلاد للمرحلة القادمة، مع ما يعنيه ذلك من السيطرة على أكبر كم ممكن من الثروات في المحيط القريب، وتسخيرها لتأخير الانفجار الاجتماعي داخل الولايات المتحدة، مع ما يمنحه هذا الموقع من قدرة على تثبيت أقدام واشنطن لأطول مدة ممكنة في مجابهة العواصف القادمة من الشرق، ولذا بدأ الحديث بكثافة عن كندا وبنما وغرينلاند وفنزويلا، ويمكن القول: إننا نشهد اليوم الخطوة الأبرز في هذا الاتجاه.
هل حسم الأمر؟!
إن تقدير الموقف داخل فنزويلا بدقة لا يزال مسألة صعبة، فمن جهة كشفت التطورات الأخيرة عن شروخ كبيرة داخل بنية النظام نفسه، وهو ما يمكن أن يتحول سريعاً إلى إعادة ترتيب شاملة داخل البلاد، تعيد للولايات المتحدة قدرتها على نهب الثروات، وتحويل فنزويلا نفسها إلى قاعدة أمريكية متقدمة لتنفيذ عمليات جديدة داخل أمريكا اللاتينية، لكن النظرة الواقعية تفرض علينا وضع احتمالات أخرى، فرغم إعلان ترامب الوقح أن واشنطن ستدير فنزويلا في المرحلة القادمة، يبدو أن قوى داخل فنزويلا تتحرك وتحاول ترميم الصدع، ويمكن لهذه الفئات أن تحظى بدعم دولي كبير، وخصوصاً من روسيا والصين، ما يمكن أن يعيق إلى حد كبير تنفيذ المخطط الأمريكي بسلاسة، فضلاً عن أن العداء للولايات المتحدة الأمريكية هو خصلة أصيلة لدى شعوب أمريكا اللاتينية، التي عانت من سياسات الولايات المتحدة والاستعمار الغربي لقرون من الزمن، وأظهرت في تاريخها قدرات كبيرة في الدفاع عن النفس ورص الصفوف، وحتى في قلب الأنظمة العميلة للولايات المتحدة.
إن إقدام الولايات المتحدة على هذه الجريمة بهذا الشكل، يشير إلى عدد من المسائل، فمن جهة واشنطن مضطرة لإعادة التموضع، وهو وإن كان يعني زيادة في الضغط غير المسبوق على أمريكا اللاتينية، فهو في الوقت ذاته يعني انخراطاً أقل في المناطق الأخرى من العالم، وهنا ينبغي تقييم جملة من الآراء التي تقول بأن سيطرة الولايات المتحدة على النفط والخامات في فنزويلا وغيرها من الدول اللاتينية، يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في إشعال العالم، دون إلحاق ضرر داخل الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أن هذا الطرح يبدو منطقياً من الناحية الشكلية، إلا أنّه في الحقيقة لا يأخذ بعين الاعتبار جملة من الحقائق، فتغيير النظام السياسي في فنزويلا إن جرى بالشكل الذي تريده واشنطن، لا يعني أن الثروات هذه يمكن استخدامها فوراً، بل إن البنية التحتية تحتاج سنوات للبناء والتطوير، ولا يمكن للولايات المتحدة تأمين نفسها ذاتياً خلال مدة قصيرة، فهي محكومة في ظل طبيعة سلاسل التوريد الحالية بقواعد يضعها لاعبون آخرون، وهؤلاء لن يقفوا متفرجين على المحاولة الأمريكية، بل سيعملون على إبطائها قدر المستطاع وتعظيم تكاليفها، بل وربما جر الولايات المتحدة إلى صراعات مسلحة لا تنتهي في ساعتين و20 دقيقة!
يقف المجتمع الدولي اليوم أمام سابقة خطيرة، فالولايات المتحدة المأزومة لم تعد تملك ما يكفي من الوقت لإنجاز ما تريد عبر الوسائل التقليدية، ما يدفعها للقيام بأفعال، مثل: اختطاف رئيس من قصره الرئاسي، ومحاكمته أمام محاكم أمريكية! ما يضاعف بلا شك حالة عدم الثقة السائدة بالولايات المتحدة على المستوى العالمي، فانهيار الهيمنة الأمريكية، يعني بنظر صناع القرار في واشنطن ورغم الخلافات فيما بينهم، أن القاعدة الوحيدة التي تحكم العالم اليوم، هي أنّه لا يوجد أي قاعدة! ولذا ترى واشنطن نفسها غير ملزمة بأي مسار دولي، وأي وعود شفهية، بل وحتى أي اتفاقات مكتوبة، ما يحولها إلى خطر حقيقي على المستوى العالمي، فحين يخرج ترامب ليقول للعالم: إن واشنطن بسرقتها لثروات فنزويلا إنما «تستعيد ما سرق منها»! هي في الواقع تضع نفسها أمام العالم بوصفها عصابة دولية تهدد السلم العالمي!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259