اليمن: الجنوب على حافة الانفجار
يمر اليمن في واحدة من أخطر مراحله منذ سنوات، ليس فقط بسبب تجدد المواجهات العسكرية في الجنوب والشرق، بل لأن ما يجري يكشف حجم التصدعات داخل معسكر ما يُسمّى بـ«الشرعية»، ويحوّل النزاع إلى صراع مفتوح بين رعاة إقليميين وحلفائهم المحليين، فالتطورات المتسارعة في حضرموت والمهرة وعدن لم تعد أحداثاً معزولة، بل تعبيراً عن انتقال الأزمة اليمنية إلى مستوى جديد، عنوانه تفكك التحالف السعودي-الإماراتي على الأرض.
ميدانياً: سجّلت قوات الحكومة اليمنية
المدعومة من الرياض، وتحديداً تشكيلات «درع الوطن»، تقدماً ملحوظاً في محافظة حضرموت، شمل السيطرة على مواقع عسكرية استراتيجية، من بينها مطار سيئون ومعسكرات رئيسية في الوادي والصحراء، وسط إسناد جوي مباشر من طيران التحالف، هذا التقدم ترافق مع انسحابات واضحة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقع حيوية، سواء في حضرموت أو في المهرة، ما يعكس تغيراً في ميزان القوى الميداني، ورسالة سعودية مباشرة مفادها أن تمدد «الانتقالي» نحو الشرق وخطوط التماس مع الحدود السعودية يمثل «خطاً أحمر» لا يمكن القبول به.
في المقابل، تعامل المجلس الانتقالي مع هذه التطورات بوصفها «حرباً وجودية»، ملوّحاً بالتصعيد، ومتهماً الرياض باستخدام الغطاء الحكومي لضرب مشروع «الجنوب المستقل»، غير أن الخطاب التصعيدي للانتقالي لا يخفي حقيقة أن حركته الأخيرة جاءت في سياق مشروع انفصالي واضح، مدعوم إماراتياً، هدفه فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة، تبدأ بالسيطرة على الموارد والمنافذ، ولا تنتهي عند محاولة إنتاج دولة الجنوب المنفصلة.
سياسياً: تحاول السعودية احتواء الانفجار عبر الدعوة إلى مؤتمر حوار جنوبي في الرياض، وهو ما حظي بترحيب عربي واسع، من مصر إلى قطر ولبنان وغيرها، إلا أن هذا المسار، رغم أهميته الإعلامية- السياسية، يأتي بعد خطوات أحادية خطيرة على الأرض، سواء من جانب «الانتقالي» أو من خلال التنافس السعودي-الإماراتي، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدية الحوار في ظل استمرار منطق القوة وفرض الأمر الواقع.
من جهة أخرى، تراقب جماعة أنصار الله هذا التفكك، فالانقسام الحاد داخل معسكر خصومها، وتحول السلاح من جبهات الشمال إلى صراعات الجنوب، يمنحها هامشاً أوسع للمناورة، كما أن المساعي الإماراتية- «الإسرائيلية» لتوتير وتفجير الأوضاع بالضد من المصلحة السعودية والمصرية والتركية والإيرانية في اليمن وغيرها، يدفع هذه الدول الـ 4 لمزيد من التنسيق المشترك انطلاقاً من المصلحة المشتركة لمواجهة هذه التهديدات.
في المحصلة، ما يجري اليوم في اليمن يُعد فصلاً جديداً من محاولات إعادة تشكيل البلاد على وقع الصدامات الإقليمية، ومع غياب مشروع وطني جامع، واستمرار الرهان على السلاح والدعم الخارجي، يبدو اليمن متجهاً نحو مزيد من التوتر في الفترة المقبلة، تُمدد فيها عمر الحرب، وتُؤجل أي أفق حقيقي للاستقرار.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
ملاذ سعد