قراءة في وثيقة الأمن القومي الأمريكي

قراءة في وثيقة الأمن القومي الأمريكي

عالجت «قاسيون» في مواد مختلفة بعضاً من جوانب وثيقة الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية حملت تاريخ تشرين الثاني 2025 ونشرت إلى العلن في بداية شهر كانون الأول الجاري، وحظيت باهتمام إعلامي واسع، إلا أن المناقشات السابقة عالجت الوثيقة الهامة كمجموعة من القضايا المنفصلة، لكن المطلوب هو فهم جوهر هذه الوثيقة.

ينبغي في البداية وضع هذه الوثيقة في سياقها ضمن المشهد الأمريكي الداخلي، الذي يشهد انقسامات حادة بين تيارين واضحين، الأول: يتمسك بالعولمة كمنهج سياسي أساسي في وضع السياسية الخارجية، في مقابل تيار آخر يعبّر عن نفسه بشعار «أمريكا أولاً» يمثله الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وعدد من شخصيات بارزة في إدارته الحالية، ويملك الرئيس صلاحيات إصدار هذه الوثيقة، وهو ملزم بإرسالها إلى الكونغرس، وتعتبر صياغة لمجمل سياسة الإدارة الحالية، ولكنّها في الوقت ذاته ليست قانوناً ملزماً، وهو ما يمكن أن يؤكد أن مجمل ما ورد فيها سيكون موضوع صراع داخلي حاد، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن ما جاء فيها هو مجرّد «رأي» بل جزء كبير من الوثيقة قيد التطبيق فعلاً، وتعمل وفقه الإدارة الحالية قبل إعلان الوثيقة بشكلٍ رسمي، لكن إصدار كل هذا في وثيقة رسمية يحمل وزناً إضافياً، وينقل الصراع الداخلي إلى مستوى جديد.


تقييم دور الولايات المتحدة لعقودٍ مضت


لا يمكن النظر إلى الوثيقة بوصفها استمرار وتطوير لاستراتيجية سابقة، بل هي في الحقيقة قطع شامل مع السياسات التي سبقتها، بل ويقر ذلك صراحةً، وتقدّم الوثيقة على أنّها إعادة صياغة جذرية لدور أمريكا في العالم، وتصف سياسات العولمة السابقة بـ «المضلّلة» وأنّها «أضعفت المصالح الأمريكية الأساسية، عبر الالتزام بنظام عالمي لم يعد يخدم البلاد». كما تؤكد استراتيجية الأمن القومي الجديدة على أن الولايات المتحدة «تمتلك أصولاً اقتصادية وعسكرية وثقافية فريدة» ولكن يجب تسخير هذه الأصول لخدمة «مصالحها الوطنية أولاً وقبل كل شيء». من هذه النقطة تنطلق الاستراتيجية بهجوم على «المنظمات العابرة للحدود» وتضع طرحاً مقابلاً على أساس أن «الوحدة السياسية الأساسية في العالم هي الدولة القومية وستبقى كذلك».
ومن الجدير بالذكر، أن إعلان هذا الموقف بهذا الشكل هو سابقة، فبعد أن كان خطاب ترامب يرتكز دائماً على «أمريكا أولاً» إلا أن الإشارة إلى تضارب المصالح بين هذا التيار وكل المنظمات المعولمة يحمل أهمية كبرى، خاصةً وأنّه مكتوب صراحة في وثيقة رسمية، وهذه المنظمات هي في الواقع تعبير عن جوهر الإمبراطورية الأمريكية التي هيمنت على المشهد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي.


كيف يبدو العالم بنظر الوثيقة الأمريكية؟


سبق أن ناقشنا في مواد سابقة موقف الإدارة الأمريكية من أوروبا بحسب الوثيقة الجديدة، التي يمكن تكثيفها بضرورة دعم الأحزاب القومية اليمينية، وإنهاء الحرب في أوكرانيا، ومطالب صارمة بتحمل الدول الأوروبية لتكلفة الدفاع وتحرير الولايات المتحدة من ذلك، فضلاً عن توجيه تحذيرات للقارة الأوروبية من «المحو الحضاري» الناتج بحسب الإدارة الأمريكية عن سياسات الهجرة المتراخية.
فيما عرف بـ «ملحق ترامب» لعقيدة مونرو يعود التركيز إلى نصف الكرة الغربي، وتطالب الوثيقة بتسخير الموارد لفرض هيمنة مطلقة على هذه الرقعة الجغرافية الهامة، ومنع أي نفوذ أجنبي آخر، على أساس أن هيمنة الولايات المتحدة على الموارد الضخمة الموجودة في هذه المنطقة الواسعة يسمح «للدولة القومية الأمريكية» أن تحافظ على موقع متقدم، لكنّه إقرار هزيمة في الوقت نفسه، نظراً لأن ما تبقى من العالم سيكون فعلياً أكثر قدرة على الحركة، وقادر على بناء شبكة علاقات جديدة، بعيداً عن الوجود الأمريكي العسكري المباشر.
ما يثير الاهتمام، هو الجزء المخصص لنقاش أفريقيا وغرب آسيا، إذ تقول الوثيقة: إن هناك ضرورة لـ «خفض الأولوية الممنوحة لمنطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا» وترى في ذلك قراراً استراتيجياً وليس «إهمالاً» بل يندرج ضمن إطار إعادة توجيه الموارد لما تعتبره الإدارة مصالح حيوية، أي أننا أمام إقرار جديد بأن الإدارة الأمريكية لا ترى في هذه المناطق «مصالح حيوية» وتشير إلى ضرورة البحث عن نمط جديد لبناء شراكات قائمة على الاستثمار، واستبدال سياسة «نشر الديموقراطية» وقبول الدول كما هي، والتخلي «تجربة أمريكا المضللة في توبيخ».


طرح جديد حول الصين


تنتقد الاستراتيجية بشدة الافتراضات التي قامت عليها السياسة الأمريكية تجاه الصين على مدى ثلاثة عقود، والتي كانت تأمل في أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى دمج بكين في «النظام الدولي القائم على القواعد». وتعتبر الوثيقة أن «هذا لم يحدث» وتركز الاستراتيجية الجديدة إلى «إعادة توازن العلاقة الاقتصادية مع الصين».
بخصوص تايوان، تطرح الاستراتيجية فكرة أن ردع نشوب صراع حول تايوان يمثل «أولوية» ويمكن ذلك من خلال الحفاظ على ما أسمته الوثيقة «التفوق العسكري» هذا فضلاً عن مطالبة صريحة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل: اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، بأن «يتقدموا وينفقوا - والأهم من ذلك، أن يفعلوا- المزيد من أجل الدفاع الجماعي». فالجيش الأمريكي «لا يمكنه، ولا ينبغي له، أن يفعل ذلك بمفرده».

لا شك أن مضمون الوثيقة يشكّل قطعاً من توجهات سابقة سادت المشهد لعقودٍ مضت، لكن هذه الرؤية تنطلق في كثير من جوانبها من قدرة الولايات المتحدة على إعادة إحياء الصناعات الأمريكية، وإعادة فرض قواعد جديدة في التجارة العالمية، حتى وإن كانت هذه القواعد مرتبطة إلى حد كبير بلاعبين آخرين، ورغم أن الوثيقة تقر بضرورة التركيز على المناطق الحيوية، وتحديداً في نصف الكرة الغربي، إلا أن تقيمها للمشهد في المناطق الأخرى، مثل: أفريقيا وآسيا الذي يرى موقع الولايات المتحدة متقدم، وقادر على التحكم بمجرى التطورات، هو في الحقيقة بعيد عن الواقع، فهل يمكن مثلاً للاستثمارات الأمريكية في أفريقيا أن تنافس الاستثمارات والشراكات الصينية الراسخة؟ وخصوصاً في ظل التغيرات السياسية المتسارعة التي تسير في عكس المصلحة الأمريكية؟ وهل يمكن القول: إن الوضع في غرب آسيا هو ثابت كما تراه الإدارة الحالية؟ أم أن التقييمات المتسرعة التي تقدمها الوثيقة تعتمد على بروباغندا يقودها الرئيس الأمريكي، تخفي في الواقع توازناً دولياً وإقليمياً جديداً لا يمكن أن تستطيع «إسرائيل» الحفاظ عليه دون دعم أمريكي متواصل. هذا بالإضافة إلى أن الصراع الداخلي مع تيار العولمة في الداخل لم ينته بعد، بل هو في أشد لحظاته، ويمكن أن يتحول في الفترة القادمة إلى لحظة يكون فيها أي من الفريقين عاجزاً عن دفع سياسته إلى الأمام، بسبب ممانعة الطرف المقابل، ما يفسح المجال إلى مزيد من الخسائر الأمريكية على كافة الساحات العالمية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1256
آخر تعديل على الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 11:33