الـ«أوتوبن»... عنوان شكلي جديد للصراع الأمريكي
في مشهد جديد يعكس الصراع السياسي في الولايات المتحدة أكثر مما يكشف قوة أيٍّ من أطرافها، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن أنّ «أي وثيقة وقّعها جو النائم باستخدام جهاز الأوتوبن، والتي يقدّرها ترامب بـ 92%، هي ملغاة وعديمة الأثر». وهكذا، بجملة واحدة، يحاول ترامب قلب سنوات من السياسات والقرارات التنفيذية عبر التشكيك في شرعية «توقيع» سلفه.
خلف هذا الإعلان الصاخب تختبئ أزمة أعمق من نزاع شخصي بين رئيسين، لتعكس مؤشراً جديداً من حدة الانقسام، وأزمة النظام السياسي الأمريكي نفسه.
ما هو «الأوتوبن»، وهل هو «مشكلة بذاته»؟
«الأوتوبن» آلة تقليدية تُستخدم منذ عقود لتوقيع الوثائق الرسمية عندما يكون الرئيس خارج البيت الأبيض، أو عندما تتطلب الإجراءات توقيعاً سريعاً على كميات كبيرة من الأوراق، وقد استخدمه رؤساء كُثر منهم بوش، وأوباما، وترامب نفسه في بعض الفترات، ولم يكن يوماً موضع جدل.
لكن يبدو أن ترامب أراد الآن استخدام الجهاز كسلاح سياسي، ليس لأن التوقيع عبره غير شرعي قانونياً، فالقانون الأمريكي يعترف بصحّته، طالما الرئيس وافق على مضمونه، بل لأنه وتياره يسعون لإنتاج أيّ رواية تُضعف شرعية حكومة بايدن بأكملها، وتفتح الباب لإعادة صياغة الدولة وفقاً لهم، والعكس بالعكس، فتيار بايدن وما يمثله يحاولون القيام بالأمر نفسه تجاه تيار ترامب.
ما الوثائق التي يريد ترامب إسقاطها؟
من الناحية الشكلية، يطال كلام ترامب: الأوامر التنفيذية التي أصدرها بايدن (أكثر من 160 أمراً)، والمذكرات الرئاسية، وقرارات تنظيمية وبيئية وصحية، وقرارات أخرى كالعفو الرئاسي أو التعيينات والخ.
لكن عملياً وتقنياً، فإن معظم هذه الوثائق قد نفذت بالفعل وانتهى مفعولها، أو أن الأمر التنفيذي بها يبقى سارياً إلى حين إصدار أمر تنفيذي مباشر بوقفها، وعليه، فإن كلام ترامب بذاته وبهذه الصيغة قد لا يعني شيئاً من الناحيتين العملية والتقنية.
إمبراطورية تنهار من الداخل
من ذلك، يبدو أن خطاب ترامب ليس موجّهاً بالأساس للمؤسسات الأمريكية، بل لجمهوره الذي يريد إخباره أن السنوات الأربع السابقة لرئاسته «غير شرعية»، وأن الدولة الأمريكية مختطفة وترامب يطهرها، وهي من مفردات السردية المتعلقة بمحاربة «الدولة العميقة» وما شابه ذلك من مسميات ومصطلحات تعكس الصراع القائم بين أطراف النخبة الأمريكية.
ليأتي هذا التشكيك في «شرعية الوثائق الرئاسية» وسط أزمات اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية حادة، وتراجع مزمن يؤدي لخسارة «الإمبراطورية» الأمريكية. وفي مثل هذه اللحظات، تلجأ مختلف أطراف الصراع إلى الشعبوية والهجوم على الأمور والإجراءات «الشكلية» لإخفاء أزمة أعمق: أزمة النظام الرأسمالي الأمريكي نفسه.
وعليه، فإن جدل «الأوتوبن» والوثائق الموقعة عبره ليس جيّداً أو سيئاً بحد ذاته بالنسبة لأي طرف، وما يقوله ترامب يتجاوز مجرد التعليق على «جهاز توقيع»، وإنما قد يفهم كخطوة جديدة في إطار التصعيد السياسي والسلطوي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254