تركيا وإعادة رسم خريطة التحالفات السياسية
تشهد تركيا تطورات سياسية حساسة منذ الإعلان عن توقيف رئيس بلدية إسطنبول على خلفية اتهامات تتعلق بقضايا فساد ومساعدة «جماعة إرهابية» ما سبب حالة استياء كبيرة في صفوف المعارضة، ودفع الشارع المعارض التركي للخروج في مظاهرات في عشرات المدن، ومشاركة الآلاف، ما يفتح الباب لاحتمالات عديدة لتطورات المشهد السياسي في البلاد في ظل ظرف إقليمي ودولي حساس.
أوقفت السلطات التركية يوم الأربعاء 19 شباط الجاري رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي يعد المرشح الأوفر حظاً بالمعارضة في الانتخابات الرئاسية القادمة، ما دفع خصوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقول: إن الاعتقال جاء على خلفية سياسية بهدف إبعاد الخصوم السياسيين للرئيس الحالي.
خلفية ما يجري
تجمع الأوسط السياسية التركية على الوزن النوعي الذي يشغله إمام أوغلو في تيار المعارضة، فضلاً عن كون بلدية اسطنبول تعتبر موقعاً حساساً في خريطة التوازنات السياسية في البلاد، وكان فوز المعارضة في الانتخابات المحلية وانتخابات رؤساء البلديات قد سمح بحجز هذا الموقع الحساس، بعد أن كان خاضعاً لسلطة حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويظهر من تطورات الاعتقال والقضية المرفوعة ضد إمام أوغلو أن لدى السلطة بالفعل ملفات وشهادات يمكن من خلالها إثبات جزء من الاتهامات الموجهة ضده، والتي تشمل «قيادة منظمة إجرامية، وعضويتها، والاحتيال الشديد، والرشوة، والاستحواذ غير القانوني على البيانات الشخصية، وتزوير المناقصات، والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة».
في المقابل، اعتبر أوزغور أوزيل زعيم حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي الذي ينتمي له أكرم إمام أوغلو، أن هناك دوافع سياسية وراء الاتهامات، ووصف ما يجري بأنه «محاولة انقلاب» ودعا حشود المتظاهرين في إسطنبول إلى الوقوف «معاً من أجل الشباب، من أجل إسطنبول، من أجل أكرم إمام أوغلو» والمعتقلين الآخرين، وقال، في إشارة إلى أردوغان: «هناك ملايين الناس لا يخشونه».
ارتدادات متوقعة في المعارضة
قدم الادعاء العام التركي طلباً للمحكمة لحبس إمام أوغلو حتى موعد جلسات المحاكمة، وذكرت وسائل الإعلام التركي، أن قائمة الاتهام تشمل ١٠٠ شخص مرتبطين برئيس بلدية إسطنبول، لكن وبغض النظر عن تطورات القضية، يبدو أنه ستكون هناك آثار كبيرة في معسكر المعارضة وتحالفاتها القائمة، وخصوصاً إذا ما دعا الرئيس التركي إلى انتخابات رئاسية مبكرة، فاعتقال إمام أوغلو وبغض النظر عن صحة الاتهامات الموجهة له جاء في لحظة سياسية محددة ومدروسة جيداً، فالملفات التي يملكها الادعاء العام ضده لا يمكن كشفها إلا في ظرف محدد وهذا ما يجب الوقوف عنده.
كان حزب الشعب المعارض التركي قد بنى تفاهمات مع عدد من القوى السياسية داخل تركيا، كان أبرزها مع حزب الشعوب الديموقراطي الكردي، الذي يمثل وزناً سياسياً جدياً في صفوف المعارضة، ما يدفعنا للاستنتاج أن أحد أهم أهداف تحريك هذه القضية الآن هو وجود قناعة لدى السلطة التركية، أن الظروف تسمح اليوم بإعادة بناء الخريطة السياسية. فبعد الرسالة التي وجهها الزعيم الكردي عبد الله أوجلان من داخل السجن، والتي دعا فيها حزب العمال الكردستاني لحل نفسه ورمي السلاح، بات بالإمكان الحديث عن شكل جديد لإدارة الملف الكردي داخل تركيا، وفي الإقليم، فخطوة أوجلان مع الضربة التي تلقاها حزب الشعب قد تدفع حزب الشعوب لبناء تحالفه بشكل مختلف، وليس مستبعداً أن يتجه إلى موقع أقرب إلى حزب العدالة والتنمية، وبالتالي تعميق عملية فرز في صفوف المعارضة، وعزل مكوناتها عن بعضها، وتحديداً فرز القوى المرتبطة بالولايات المتحدة عن القوى الأخرى.
يجد الرئيس التركي نفسه في موقع أفضل، ويرى فرصة لتوجيه ضربة لخصومه، فبعد محاولات الانقلاب الفاشلة استطاع أردوغان توجيه ضربات مباشرة داخل المؤسسة العسكرية، لكن ضرب ما يمكن تسميته بالجناح السياسي للمعارضة ظل مسألة صعبة، ومع التطورات السياسية الأخيرة في سورية، وفتح المجال أمام توافق مع القوى الكردية داخل تركيا، بات بالإمكان الحديث عن ترتيبات جديدة تكون ملائمة أكثر للرئيس التركي، ويمكن إذا ما تجنبت البلاد الدخول في دوامة من الفوضى أن تشهد تركيا استقراراً سياسياً أكبر.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1219