قضايا الشرق .. أين يتجه ترامب؟
إن فهم توجّه الإدارة الأمريكية الجديدة يتحول بنظر البعض إلى مقياس أساسي في فهم كيف ستتطور الأمور في الإقليم والعالم، لكن ذلك الاستنتاج قد يكون صالحاً قبل سنوات ولكن ليس اليوم، فالولايات المتحدة الأمريكية تحوّلت إلى أحد عناصر التأثير، لكنها لم تعد العنصر الحاسم.
فمثلاً كان واضحاً أن ترامب يعطي رسائل متناقضة من حيث الشكل، وتسبب إرباكاً في الفهم، كان آخرها تصريحاته حول قطاع غزّة ومصير الفلسطينيين، إذ اقترح أولاً تهجيرهم إلى دول الجوار، وعاد يكرر أفكاراً مبتذلة لا يمكن قبولها على الإطلاق، بل إن إدارة الرئيس السابق جو بايدن حاولت فرض بعضاً من هذه الأفكار لكنها فشلت، فما سر هذه الخطوات التصعيدية التي يقوم بها ترامب الآن؟!
لفهم المسألة، علينا أن نقر أولاً أن وصول ترامب حسم فعلياً مسألة الحرب في غزّة، ودفع باتجاه إيقافها، أو بالحد الأدنى وقفها مؤقتاً، وهذا أمرٌ واقع، وليس مجرد تصريحات وكلام فارغ، وهو في الحقيقة خطوة أولى في هذا المضمار، أي إبعاد الولايات المتحدة عن معارك لا يرى فيها تيار الانكفاء في واشنطن جدوى توازي التكاليف الباهظة، لكن ترامب وبعد هذه الخطوة بدأ يطلق تصريحات استفزازية، وأعلن عن حزمة تسليح جديدة لـ «إسرائيل» ما ظهر كما لو أنه معاكس لوعوده التي أطلقها في الحملة الانتخابية.
لكن إذا ما تأملنا المشهد أكثر، لبدا واضحاً أن الانكفاء لا يعني بالطبع ترك المنطقة وشأنها، لكنه يعني استمرار محاولات التوتير عبر وسائل وأدوات مختلفة، وهذا سيستمر في الآجال القريبة والمتوسطة، وتحديداً الضغط وابتزاز دول الإقليم الأساسية، مثل: السعودية ومصر وتركيا وإيران، فالمطلوب أمريكياً ألا تشعر هذه القوى باستقرار وارتياح، لكن ذلك لا يلغي أبداً أن ترامب يمثل تياراً محدداً يدرك أن وزن الولايات المتحدة يتراجع وأنهم مقبلون على مواجهة حاسمة، لذلك يعيدون ترتيب أولوياتهم وأوراقهم، فترامب اليوم يسعى للانكفاء إلى الداخل، لكن الداخل يأخذ معنى أوسع مما سبق، فهو مسعى لانكفاء قاريّ إن صح التعبير، أي تجميع القوى في أمريكا الشمالية، والمناطق المتاخمة لها مع تثبيت بعض نقاط الاشتباك المتقدمة، فالاتجاه العام هو نفسه ولم يتغير، لكن الرهان اليوم في واشنطن على أن تجميع الموارد سيكون مهمة شبه مستحيلة بالشكل السابق، ولم يعد من الممكن التعويل على أوروبا أو الشرق الأوسط، بل ينبغي بنظرهم الرجوع بعيداً عن خطوط الاشتباك، وتوجيه ضربات للمصالح الصينية بالقرب من حدودهم تماماً، مثل: الضغط الأخير على بنما، الذي أدى لانسحاب الأخيرة من مشروع الحزام والطريق. الفكرة الأمريكية فكرة طموحة، لكنّها ليست بالسهولة التي يتوقعها ترامب ومن يمثلهم في واشنطن.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1213