التوترات مع الصين... من يُحرّك قطع الشطرنج الفلبينية؟!
أحمد علي أحمد علي

التوترات مع الصين... من يُحرّك قطع الشطرنج الفلبينية؟!

تشهد منطقة بحر الصين الجنوبي سلسلة جديدة من التوترات، أعادت موضوع العلاقات الصينية-الفلبينية إلى الواجهة، وبالنظر إلى طبيعة المنطقة الحساسة يمكن أن يتحوّل ملف كهذا إلى نقطة انفجار محتملة.

على مر العقود، شهدت العلاقات بين الصين والفلبين تقلبات ملحوظة، تأثرت إلى حدّ كبير بالنزاعات الإقليمية، وعلى وجه الخصوص، بالتوترات في بحر الصين الجنوبي. هذه المنطقة، التي تعج بالموارد الطبيعية وتمثل ممرات مائية استراتيجية، أصبحت مسرحاً لصراعات إقليمية معقدة، تجسدت في مطالبات إقليمية متداخلة من عدة دول، بما في ذلك الصين والفلبين.

الصراع في بحر الصين الجنوبي

يظل بحر الصين الجنوبي، بما يحمله من أهمية استراتيجية واقتصادية، نقطة خلاف رئيسية بين البلدين. الفلبين، مستندة إلى القانون الدولي ومحكمة التحكيم الدولية التي أصدرت قراراً في 2016 يدعم بعض مطالباتها في المنطقة، تسعى لتأمين حقوقها في مناطق تعتبرها ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة. الصين، من جانبها، ترفض هذا القرار، مؤكدة على مطالباتها التاريخية في المنطقة، وتوسِّعُ نشاطاتِها الإنشائية والعسكرية في الجزر المتنازع عليها.

التطوّرات الأخيرة

وجّهت الفلبين اتهامات للصين بالتسبّب في حادث عنيف تمثّل في إطلاق خفر السواحل الصيني مدفعاً مائياً ضدّ سفينة تموين فلبينية، ممّا أسفر عن إصابات بين الفلبينيين. الحادث، الذي استمر لنحو ساعة، وقع قبالة جزيرة سيكند توماس المرجانية، وهي منطقة متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
من جانبها، اتّهمت الصين الفلبين بأنها السبب في زيادة التوترات في بحر الصين الجنوبي، عازيةً ذلك إلى «استفزازات» تقوم بها مانيلا. واعتبرت الصين أن ردّها كان معقولاً وحازماً ضدّ ما تراه انتهاكات من الفلبين للحقوق الصينية وإثارة للفوضى في المنطقة، بينما أعلن الرئيس الفلبيني عزم بلاده على الصمود وإبقاء صوتها مرتفعاً.

القانون الدولي والمنطقة الاقتصادية الخالصة

القانون الدولي، وعلى وجه الخصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون أعالي البحار (UNCLOS)، يلعب دوراً محورياً في هذا الصراع، حيث يحدّد مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي تمنح الدول الساحلية حقوقاً اقتصادية حصرية في استغلال الموارد في المناطق التي تصل إلى 200 ميل بحري من سواحلها.
في عام 2016، أصدرت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي قراراً يدعم موقف الفلبين، مشيرة إلى أن المطالبات الصينية بالسيادة على بحر الصين الجنوبي لا تستند إلى أساس قانوني وفقاً لـ UNCLOS. لكن يظهر في عدد محدود من الملفات الشائكة أن القانون وما ينص عليه، يمكن أن يُولّد مشاكل كبيرة، خصوصاً في مناطق ذات طبيعة مشابهة لمنطقة بحر الصين الجنوبي، فمن جهة تشترك مجموعة من الدول في هذه المياه الإقليمية وينتشر عدد كبير من الجزر التي تقدر بأكثر من 250 جزيرة وجزيرة مرجانية ومياه ضحلة، والتي تقع جميعها في منطقة تشابك بين دول، مثل: فيلبين وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والصين، ولتتضح الصورة أكثر، تشير التقديرات إلى أن هذه التجارة العالمية تعتمد على ممراتها هناك بنقل ثلث الشحنات البحرية العالمية، يضاف إلى ذلك أن المنطقة غنية بالثروات، مثل: النفط والغاز الطبيعي والثروة السمكية.

الدور الأمريكي

تتواجد الولايات المتحدة كطرفٍ فاعلٍ في منطقة بحر الصين الجنوبي، مؤكدة على حرية الملاحة والتحليق وفق القوانين الدولية. وقد أثارت تحركاتها العسكرية والدبلوماسية لدعم حلفائها في المنطقة -بما في ذلك الفلبين- قلق بكين.
مؤخراً، حذّر وزير الخارجية الأمريكي -أنتوني بلينكن- الصين من أي هجوم مسلح ضدّ الفلبين، مؤكداً الالتزام الأمريكي بالدفاع عن الفلبين. وأشار إلى أن «الأعمال الاستفزازية الصينية الأخيرة، التي شملت صدم سفن فلبينية واستخدام خراطيم المياه ضدها، لم ترقَ إلى مستوى هجوم مسلح». وشدّد بلينكن على أهمية هذه الممرات المائية لأمن واقتصاد الفلبين، وضرورة الحفاظ على السلام والأمن وحرية الملاحة في المنطقة وفق القانون الدولي حسب تعبيره.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات، فالمراقب للسلوك الأمريكي يلاحظ الدور السلبي الذي تلعبه الولايات المتحدة ضدّ الصين في بحر الصين الجنوبي، إمّا عبر البوارج الحربية الأمريكية، أو الزجّ بـ«حلفائها» لمزيد من «التحرّشات» بالصين، وهذا ما ظهر في عدّة حوادث سابقة.
إنّ المشكلة الحقيقية هي في هذا السلوك الأمريكي، لأنه يعرقل عملية التفاهم والتعاون السلمي، والتي لا حلّ لصراعات بحر الصين الجنوبي إلّا عبرها، وعبر تخلّي الفلبين وغيرها من دول المنطقة عن مناصرة العدوانية الأمريكية والغربية، فالدور الأمريكي وإذا ما أخذنا طبيعة المنطقة من الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يُشكل خطراً حقيقياً على الأمن الوطني الصيني، ويمكن أن يتحول من الصراع على جزر إلى نوع من أنواع الضغط والحصار على الصين، وهو الخطر الأساسي الذي يحرك الصين هناك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1168
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:23