«الواهمون» وأولئك الذين يعيقون حركة التاريخ

«الواهمون» وأولئك الذين يعيقون حركة التاريخ

يشهد النشاط الدبلوماسي العالمي ازدياداً ملحوظاً، تجاوز دوائره التقليدية، فلم تعد الدول العظمى المركز الأساسي لهذا النشاط، بل بتنا نلحظ خطوات وأجندات تتحرك على مستوى أقاليم بسرعة محسوسة، ودرجة عالية من الاستقلالية، كما لو أنها خرجت من سُبات بعد شتاء طويل.

ربما يكون القول: إن العالم يشهد نشاطاً دبلوماسياً متزايداً يحتاج تدعيماً ملموساً، فاللقاءات الدبلوماسية تجري دائماً ودون انقطاع، لكن النتائج التي تحققها هذه اللقاءات مؤخراً باتت عصيّة على الإنكار. أي إنّ السياسات الخارجية للحكومات على المستوى العالمي أصبحت تتلمس ضرورة إحراز تقدمات في الملفات التي تعمل عليها، وعليه يمكن إنجاز توافقات محددة بسرعة أكبر من المعتاد، تمهيداً لخطوات لاحقة قد لا تظهر ملامحها التفصيلية الآن.

المحرّك الحقيقي

تزامن النشاط في بقاع مختلفة من العالم يسمح لنا بالاستنتاج، أن هناك محركاً أساسياً مشتركاً لكل هذا، فالقوى الدولية والإقليمية تدرك أن العالم يتغير، وهو ما لا ينكره أحد، وعلى هذا الأساس يضع الجميع أهدافاً ويعملون على تحقيقها، لا لإدارة آثار التغيرات الجارية فحسب، بل كمحاولة للتحكم والتأثير فيها والاستفادة منها، وبالتالي ضمان أدوار لهم في مرحلة لاحقة. ومن هذا الاستنتاج الأولي لا يمكننا النظر إلى تحركات هذه الدول بوصفها تحركات مؤقتة، بل على العكس تماماً، فهي وإن كانت لا تخلو من المناورة في بعض الأحيان، إلا أنها جزء من تحولات استراتيجية، تمهد لمرحلة استقرار جيوسياسي عالمي خلال آجال متوسطة. وبالتالي هذه توجهات جدّية لا رجعة عنها. ربما تكون سمتها الأساسية تصفير المشاكل مع الجوار، والبحث عن القواسم والمصالح المشتركة ليتحرك كل إقليم بشكلٍ موحّد وسط العاصفة، فالحديث المتكرر عن عالم متعدد الأقطاب لم يكن حديثاً عن أطراف محددة ودعوات مغلقة، بل كانت دعوة مفتوحة. لكل من يملك الطاقات الدفينة لأداء هذا الدور، ويتمتع بالإرادة السياسية والجرأة الكافية لإنجاز ما هو مطلوب.

المشكلة الكبرى

لا يمكننا القول: إن توجهات القوى الإقليمية والدولية للتأقلم مع العالم الجديد تسير بشكل سلس، فهي تلقى ممانعة على مستويين، الأول: خارجي يقوده حراس العالم القديم، أي الغرب والولايات المتحدة، التي تدرك أنها تخسر هيمنتها بشكل متسارع، وتجد نفسها محكومة بإعاقة كل النزعات الاستقلالية التي تتطور حولها، وتحاول أن تعيق تبلور الأدوات التي تطورها القوى الأخرى لإنجاز الانفكاك عن الهيمنة الأمريكية. أما المستوى المعيق الثاني: هو حراس العالم القديم القابعين في داخل هذه البلدان، والذين ارتبطت مصالحهم لعقود طويلة بكونهم وكلاء نهب بلادهم من قبل الغرب، وهم يدركون أن ما يجري لا بد أن يضرب مصالحهم أيضاً، وبالتالي يستميتون في الدفاع عن واقع قديم ينهار. فهؤلاء، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة، يعملون لإعاقة بلدانهم من الداخل، والدفاع عن «ميزات» سابقة للعلاقة مع الغرب وواشنطن، ويمكن أن نرى أن الخطوات التي أنجزتها بعض الدول في منطقتنا في اتجاه الانفكاك التدريجي عن الغرب، كان لابد لها أن تترافق مع حالة من الصراع الداخلي الذي ظهر على العلن في بعض الأحيان. ويمكن رصد هذا في الانتخابات التركية الأخيرة وقبلها العديد من الأمثلة، مثل: محاولة الانقلاب على أردوغان، أو اغتيال السفير الروسي في أنقرة. ويرى بعض المراقبين: أن الوضع في السعودية مثلاً لم يكن مختلفاً كثيراً، فالصراع الذي حسمه بن سلمان لصالحه في السعودية، كان في أحد جوانبه حول العلاقة مع الغرب وواشنطن، وأنه ربما يكون، بن سلمان، قد قلّم حينها أظافر بعض من كان يرفض توجّه مخالف لتوجهات السعودية الحالية. ما سمح له لاحقاً بالسير في هذا الاتجاه.

هل الحالة مختلفة في الدول العظمى؟

في الوقت الذي تقود روسيا والصين التوجه الدولي نحو العالم متعدد الأقطاب، وما يتطلبه ذلك من سحب الأوراق واحدة تلو الأخرى من أيدي الغرب، لا تسير التوجهات في كلا البلدين بالسلاسة المتوقعة. ويبدو ذلك أكثر وضوحاً في روسيا بعد بدء الحرب مع أوكرانيا. فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أعلن مجدداً منذ أيام في حوار قصير أجرته معه وسيلة إعلام روسية، عن ضرورة اتخاذ موقف حاسم من العلاقة مع الغرب. فقال: إن «الغرب خسر روسيا» وأن سرعة تطور روسيا باتت مرهونة بإنهاء الأوهام السابقة! وفصّل فيما قاله حول تاريخ روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكيف كان الغرب ينظر إليها بوصفها مستعمرة، ولم يفكر يوماً ببناء شراكة حقيقية معها، تكون قائمة على المصالح المتبادلة. الفكرة التي يتحدث فيها لافروف ليست جديدة، وقد أشار إليها هو نفسه عدة مرات، وفي مناسبات مختلفة سابقاً، ما يؤكد أن هؤلاء «الموهومين» الذين يتحدث عنهم، لا يزالون موجودين داخل جهاز الدولة، وفي مفاصل مؤثرة في اتخاذ القرار، وأنهم يلعبون دوراً معرقلاً يبطئ حركة روسيا في الاتجاه المطلوب.

«نهاية العولمة المقادة غربياً»

وجود العقبات التي أشرنا إليها، لا يعني أن إنجاز عملية التغيير مسألة مستحيلة في ظل وجود ممانعة كهذه، بل إن هذه العقبات تعتبر واحدة من مسائل أخرى ينبغي التعامل معها على المستوى الإقليمي والدولي، فالوصول إلى عالم متعدد الأقطاب بتمثيل دولي واسع وحقيقي يفرض إنجاز الكثير، وهو ما يمكن أن نلحظه اليوم في تزايد نشاط عدد من التكتلات والهياكل السياسية القديمة، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك الأمر في الدول العربية، التي بدأت الجامعة العربية تلعب فيها دوراً ملحوظاً في الأشهر الماضية. وقد تحدّث لافروف في حواره المشار إليه حول هذه المسألة، حين قال: إن عمليات النمو تحتاج لأن تكون إقليمية، وأكد أن هذه الرؤية أصبحت هي السائدة في العالم. وأضاف: إن دول آسيا مثلاً: تحتاج لاستثمار مساحاتها الشاسعة والثروات الطبيعية الموجودة، لتكون قادرة على تطوير سلاسل لوجستية ومالية وسلاسل نقل للمنفعة المتبادلة. ما يمكن أن يحولها فعلياً إلى كتل ضغط منفصلة نظرياً وجغرافياً، لكنها قادرة على الدفع باتجاه واحد مجتمعة ما يمكن أن يضمن فعلياً نهاية العولمة التي قادها الغرب لضمان مصالحه على حساب الآخرين.

تحضير التكتلات الإقليمية للمرحلة التالية يتطلب أعلى درجة من المناعة والاستقرار الداخلي، وأعلى درجات من توافق بين الدول الإقليمية الأساسية، لذلك لا يمكن تفسير ما يجري بين القوى الإقليمية في منطقتنا بوصفه مسألة صدفية أو ذات دوافع إقليمية، بل هو جزء من مرحلة تحضير عالمية، ينبغي على الجميع الاستعداد لملاقاتها، وسيكون الأكثر استعداداً أكثر قدرة على الاستفادة مما هو قادم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1127
آخر تعديل على الجمعة, 23 حزيران/يونيو 2023 18:16