السودان والاختبار الأصعب

السودان والاختبار الأصعب

التطورات الأخيرة التي يعيشها السودان، تؤكد مجدداً، أن التغيير الذي يطمح إليه شعبه لم ينجز بعد، فالاشتباكات المسلحة العنيفة التي تشهدها العاصمة الخُرْطُوم، وعدد من المناطق الأخرى منذ الأمس، السبت 15 نيسان، يمكن أن تتطور في اتجاهات لن يكون آخرها تقسيم ما تبقى من السودان، وتحميل السودانيين خسائر هائلة ومرحلة جديدة من الفوضى!

اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، ونائبه قائد ميليشيا قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي». وقدّم طرفا الصراع روايتين مختلفتين حول أسباب تطور الخلافات إلى الصدام المسلح.

في خلفية ما يجري

ظهرت في المدّة الماضية بوضوح، جملة من التناقضات بين قوات الدعم السريع، والجيش السوداني، كان أوضحها الخلاف على كيفية وآجال تطبيق ما جاء في الاتفاق الإطاري، واتفاقية جوبا بخصوص ضرورة دمج «الدعم السريع» في صفوف الجيش، وإنهاء وضعها كميليشيا. لكن قوات «حميدتي» أرادت تأجيل هذه الخطوة على أن تتم بعد عشر سنوات، فيما أصرّ البرهان على إنجازها في غضون عامين، معلناً في ذات الوقت استعداده للتحدث مع قيادة «الدعم السريع» لحل الخلاف حول قيادة الجيش الموحد.
بالطبع، كان من المتوقع أن تقف قوات الدعم السريع التي يبلغ عدد مقاتليها حوالي 100 ألف مقاتل بوجه أية محاولة لإعادة الهيكلة، أو دمجها مع الجيش الوطني السوداني، فهذه الميليشيا التي تعود جذورها للحرب الأهلية السودانية تتمتع بوزن عسكري كبير سمح لها بنفوذ اقتصادي وسياسي. والمشكلة الأكبر أن الشارع السوداني وبالرغم من إدراكه الضرورة الوطنية التي تقتضي إنهاء حالة الميليشيات وإعادة توحيد الجيش، لا يثق بقيادة الجيش الحالية، وخصوصاً أنّ كلا الطرفين المتقاتلين كانا جزءاً من اللجنة الأمنية التي أنشأها الرئيس السابق عمر البشير لقمع الاحتجاجات، وانقلبت عليه لاحقاً في محاولة لتأريض عملية التغيير الجارية. ما أدى- إلى جانب جملة من الأسباب الأخرى- إلى تحييد قوى الشعب السوداني، الذي يلتزم حالياً منازله خوفاً من المعارك الطاحنة بين البرهان وحميدتي.

خلاف على السلطة أم ماذا؟

لا شك أن كلا الطرفين كانا جزءاً من النظام السابق، وشركاء في الفساد الذي جوّع السودانيين لسنوات، ولا شك أيضاً أن الأرضية الحالية تسمح بتطور الصراع على السلطة بين قطبي المؤسسة العسكرية إلى صدام مسلح كالذي نشهده اليوم. لكن رد الأحداث الخطيرة الحالية إلى كونها صراعاً على سلطة بين أطراف سودانية داخلية، هو تسطيح للمشكلة، وتركيز على أحد مسبباتها، وإغفال عوامل أخرى ربما تكون قد أدت دوراً حاسماً. فأقطاب المؤسسة العسكرية السودانية كان لهم نشاط إقليمي ودولي ملحوظ، وفي الوقت الذي يبدو من الصعب تحديد امتدادات وهوامش علاقة العسكريين السودانيين بالقوى المؤثرة في الإقليم والعالم، يبدو أن المدة التي قضاها هؤلاء في السلطة منذ إزاحة البشير- أو ربما قبل ذلك- سمحت لهم بفتح قنوات اتصال مع الجميع، لكن تغذية الخلافات إلى حد وصولها إلى مواجهات عسكرية، قد تتحول إلى حرب أهلية عنيفة لن تكون في مصلحة مصر أو روسيا والصين، فحرب كهذه سيكون لها تأثير كبير على النشاط الروسي والصيني لا في السودان فحسب، بل في كل المنطقة المحيطة، ويعد الأمر أكثر خطورةً بالنسبة لمصر التي ارتبط أمنها الوطني بالسودان تاريخياً.

ستكشف الأيام القادمة حجم المشكلة في السودان، وإمكانات احتوائها سريعاً، قبل أن تتحول إلى بؤرة توتر خطيرة في حوض النيل وإفريقيا، لا شك أن اللحظات التي يعيشها الشعب السوداني حساسة، ويمكن لنتائجها التأثير على مستقبل السودان لعقودٍ قادمة، احتمال انجرار السودان إلى صدام عسكري طويل، سيدفع جميع القوى المتضررة في الإقليم والعالم للتدخل، وقد لا يكون التدخل العسكري لدعم هذا الطرف أو ذاك خيار المتضررين الوحيد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1118
آخر تعديل على السبت, 06 أيار 2023 22:40